لبنان اليوم: صراع الحضارات وتحوّل الوعي السياسي

لبنان لم يكن يومًا مجرد دولة على الخريطة، بل كان مختبرًا حيًا لتقاطع الحضارات وصراع النفوذ. من الفينيقيين مرورًا بالعثمانيين والانتداب الفرنسي إلى الاستقلال، لم تُترك الأرض فحسب، بل تشكّلت عقلية الشعب اللبناني عبر تجارب الصراع والاحتلال والتحالفات الإقليمية.

كل تدخل خارجي، سواء من سوريا أو إسرائيل أو القوى العالمية الكبرى، أعاد رسم حدود الممكن سياسيًا وثقافيًا، وأجبر اللبنانيين على التكيف مع واقع متغير بسرعة، حيث أصبح كل حدث تاريخي جزءًا من نسيج وعيهم الجماعي.

هذا الواقع المترابط من التدخلات والتحالفات وصل إلى ذروته مع اندلاع الحرب الأهلية في ١٩٧٥ التي لم تكن مجرد نزاع مسلح، بل صراعًا عميقًا على الهوية والسيادة.

في هذا السياق ظهرت قوى جديدة، أبرزها حزب الله، الذي بدأ كمقاومة محلية ضد الاحتلال الإسرائيلي، ومع مرور الوقت أصبح لاعبًا سياسيًا وإقليميًا فاعلًا، مُظهرًا كيف أن الأفكار المرفوضة في البداية يمكن أن تتحوّل إلى واقع سياسي مستدام عندما تفرضها الظروف والإستراتيجيات الإقليمية.

جاء اتفاق الطائف في ١٩٨٩ كحل لإنهاء الحرب، لكنه أيضًا رسّخ التوازنات الطائفية وأكسب القوى الإقليمية نفوذًا مستدامًا في السياسة اللبنانية، ما جعل سيادة الدولة رهينة موازين القوى بين الداخل والخارج. هذه التجربة أكدت للبنانيين أن التكيف مع الواقع السياسي ليس خيارًا بل ضرورة، وأن الأفكار التي كانت مستحيلة أو مرفوضة يمكن أن تصبح قاعدة لتنظيم السلطة وإعادة صياغة النظام السياسي.

الواقع المترابط من التدخلات والتحالفات وصل إلى ذروته مع اندلاع الحرب الأهلية في ١٩٧٥ التي لم تكن مجرد نزاع مسلح، بل صراعًا عميقًا على الهوية والسيادة.

التحولات السياسية بعد الطائف

مع اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عام ٢٠٠٥ شهد لبنان صحوة وطنية عبر ثورة الأرز، حيث أظهر الشعب قدرته على توجيه ضغط جماعي على القوى الإقليمية وفرض مطلب سيادة القرار اللبناني.

هذه الصحوة لم تكن منعزلة، بل امتدادًا طبيعيًا لتراكم وعي سياسي سبقته الحروب والتحالفات والتجارب الماضية، لتصبح الأفكار حول الاستقلال والمساءلة مطالب ملموسة وعملية.

أمام استمرار نفوذ حزب الله المدعوم إقليميًا ومحاولات الجيش اللبناني فرض سيادة الدولة، يظهر بوضوح أن لبنان هو مختبر حي لتجربة السيادة والوعي السياسي

ومع اندلاع الربيع العربي في ٢٠١١ ظهرت موجة جديدة من المطالب الشعبية للإصلاح ومحاربة الفساد، لتتصل مباشرة بما بدأته ثورة الأرز، مؤكدة أن الوعي الجماعي يتطور مع الأحداث الصادمة، وأن المجتمع قادر على تحويل مطالب كانت في السابق راديكالية إلى أهداف قابلة للتحقيق.

هذا التطور وصل ذروته مع احتجاجات ١٧ تشرين ٢٠١٩ وانفجار مرفأ بيروت ٢٠٢٠، حيث صُدم اللبنانيون أمام هشاشة الدولة وتراكم الفساد، وأصبح واضحًا أن مطالب العدالة والمحاسبة والدولة المدنية ليست رفاهية بل ضرورة وطنية عاجلة.

اليوم، أمام استمرار نفوذ حزب الله المدعوم إقليميًا ومحاولات الجيش اللبناني فرض سيادة الدولة، يظهر بوضوح أن لبنان هو مختبر حي لتجربة السيادة والوعي السياسي. كل حدث في الماضي، من الحرب الأهلية إلى انفجار المرفأ، صاغ وعي الشعب بطريقة تجعل الأفكار المرفوضة سابقًا مطالب اليوم، وما كان مستحيلًا أصبح واقعًا سياسيًا لا يمكن تجاهله.

اختبار المستقبل

لبنان اليوم يواجه اختبارًا حقيقيًا: هل يمكن تحويل الصدمات التاريخية إلى وعي جماعي يفرض إصلاحات حقيقية ويعيد ضبط التوازنات الداخلية، أم ستستمر القوى القديمة في فرض واقعها؟

ما يرفضه الأمس اصبح مطلبا اليوم وما كان مستحيلا اصبح واقعا، وبالتالي أي استراتيجية سياسية يجب أن تأخذ بعين الاعتبار هذه الدروس التاريخية، لتحويل لبنان من ساحة صراع إلى دولة أكثر استقرارًا وسيادة قادرة على مواجهة التدخلات الإقليمية وتحقيق مطالب شعبها بالعدالة والسيادة.

اقرا ايضا: إبراهيم ريحان: اطمئنان لبنان مفرط بعد «ضربة قطر»..فكلّ شيء بات مباحاً لـ«نتنياهو»

السابق
فرنسا تطالب بالإفراج غير المشروط عن مواطنيها المحتجزين في إيران
التالي
ترامب يعلن القبض على قاتل تشارلي كيرك