جزيرة الله وروح باندونغ

عبد الحسين شعبان

في جزيرة بالي، أو جنّة السلام والعجائب أو “جزيرة الله” كما تكنّى، وهي إحدى المقاطعات الأندونيسية الساحرة، وفي قلب المحيط الهندي، استعدت مؤتمر باندونغ الذي انعقد في 18 نيسان / أبريل 1955، واستمر حتى 24 من الشهر ذاته؛ وهو المؤتمر المعروف بتأسيس “حركة عدم الانحياز“، التي أصبح لها شأن كبير في ستينيات القرن المنصرم وسبعينياته.

سبعون عامًا تفصلنا اليوم عن مؤتمر باندونغ ومبادئه، حيث تغيّر العالم كثيرًا، فلم تعد “القطبية الثنائية” بين العملاقين المتناحرين (الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي) قائمة، كما لم يعد الصراع الأيديولوجي هو الحد الفاصل في السباق المحموم بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، فقد تحلّلت المنظومة الاشتراكية وتقسمّت إلى دول وكيانات مختلفة، بل متصارعة، وما الاحتراب الروسي – الأوكراني إلّا أحد مظاهرها الصارخة، وهو مستمرّ دون حلول منذ شباط / فبراير 2022 وإلى يومنا هذا، على الرغم من وعود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إنهائه، لكن تلك الوعود ذهبت أدراج الرياح.

إقرأ أيضا: تفسير التاريخ بين التعميم والتخصيص

ليس هذا فحسب، بل إن غزّة، منذ 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023 وإلى ساعة كتابة هذه السطور، تعاني من حرب إبادة جماعية لا مثيل لها، أمام مرءى ومسمع من العالم، حيث يعيش فيها أكثر من مليوني إنسان، يلاقون أشدّ أنواع الانتهاك، سواء فيما يتعلّق بحقّ الحياة، وهو حقّ مقدّس، أو أبسط مقوّمات العيش مثل الغذاء والماء والدواء والوقود.

هل كان سيحصل لغزّة ما حصل لها لو كنّا في زمن مؤتمر باندونغ؟ وماذا يعني أن ينعقد مؤتمر في ذلك الزمن؟ أوليس من سبيل الآن لوقف تلك المجزرة المفتوحة؟

 انعقد المؤتمر في مقاطعة باندونغ الإندونيسية، وشارك فيه 29 دولة آسيوية وأفريقية لمناقشة مشكلات “العالم الثالث” أو تلطيفًا “الدول النامية” وتحدياتها، والسعي لتعزيز التعاون الاقتصادي والثقافي بينها، وخصوصًا في إنهاء الاستعمار (الكولونيالية)، حيث صدر قرار من الأمم المتحدة لاحقًا رقم 1514 لعام 1960 بتأثير من مؤتمر باندونغ “إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة”.

وقد استفادت الجزائر من إصدار هذا القرار في معركتها ضدّ الكولونيالية الفرنسية. وفي العام 2010، حضرتُ مؤتمرًا دوليًا في الجزائر بمناسبة مرور 50 عامًا على صدور قرار الأمم المتحدة، وكان الرئيس أحمد بن بلّا كان مشاركًا في هذا المؤتمر، وربما كانت هذه الفعالية الأخيرة التي حضرها قبل وفاته. ومن المفارقة أن الاجتماع انعقد في ذات القاعة التي شهدت لقاء شاه إيران محمد رضا بهلوي ونائب الرئيس العراقي حينها صدام حسين في مؤتمر أوبيك، وهو ما أخبرني به بن بلّا، تمهيدًا لتوقيع “اتفاقية الجزائر” لعام 1975، التي ما يزال الجدل كبيرًا حولها حتى يومنا دون انقطاع. وقبل أسابيع شاركت في ندوة دولية انعقدت في أربيل (كردستان – العراق) بخصوص مآلات هذه الاتفاقية غير المتكافئة وتأثيرها على مسار الحركة الكردية والوضع العراقي بشكل عام.

 شارك في مؤتمر باندونغ عدد من زعماء حركة التحرّر الوطني، فبالإضافة إلى سوكارنو، الرئيس الإندونيسي، الذي استضاف المؤتمر، كان هناك رئيس وزراء الهند جواهر لال نهرو والرئيس المصري جمال عبد الناصر والرئيس اليوغسلافي جوزيف بروز تيتو والرئيس السوداني إسماعيل الأزهري، كما حضر ممثلون عن جبهة التحرير الوطني الجزائرية (بصفة مراقب)، واتّخذ المؤتمر طائفة من القرارات لصالح القضايا العربية وضدّ الاستعمار.

ويُعتبر مؤتمر باندونغ أحد العلامات المهمّة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وانقسام العالم إلى معسكرين شرقي اشتراكي وغربي رأسمالي، في إطار قطبية ثنائية طبعت كل فترة الحرب الباردة (1946 – 1989) وسباق التسلّح وـسيس الأحلاف العسكرية. ولذلك كان قيام حركة عدم الانحياز على المسرح الدولي تطورًا كبيرًا، في إطار المطالبة بالتحرّر والاستقلال من جانب شعوب العالم الثالث في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، بعيدًا عن سياسة المحاور الدولية، وإن كانت بعض الدول المنضوية تحت لوائها ترتبط عضويًا مع الغرب أو مع الشرق، علمًا بأن مفهوم عدم الانحياز ظلّ غائمًا ويتم تفسيره حسب القرب والبُعد عن هذا المحور الدولي أو ذاك.

إقرأ أيضا: الخبير الإقتصادي جاسم عجاقة يحذر عبر «جنوبية»: الوضع أخطر من أي وقت مضى.. و«اللائحة السوداء» قد تعزل لبنان نهائيا

لعلّ استذكار مؤتمر باندونغ في هذا الوقت العصيب الذي تمرّ بها غزّة وعموم الشعب العربي الفلسطيني له أكثر من دلالة، الأولى – إن غياب مثل هذه الكتلة الكبيرة وضعف تصويتها في الجمعية العامة، بسبب تشتّت توجّهاتها، سهّل على إسرائيل ومن يقف وراءها إمرار مخطّطاتها والاستفراد بالدول العربية واحدةً تلو الأخرى، ناهيك عن الإفلات من العقاب؛

وثانيها – إن وجود كتلة عدم الانحياز شكّل نوعًا من التوازن الدولي بين الشرق والغرب في المنافسة على كسب ودّ هذه الدول، كما أعطاها فرصة مناسبة للمناورة بين المعسكرين للحفاظ على مصالحها؛

وثالثها – إن التوازن الدولي ساهم في إبعاد شبح حرب كونية، وإن ظلّت الحروب بالوكالة قائمة ومتعدّدة من الحرب الكورية إلى الحرب الفيتنامية إلى أزمة الصواريخ الكوبية وتدخلات هذا القطب أو ذاك، لكن التوازن خلق نوعًا من الردع والمسؤولية الدولية. فمثلًا عند حدوث العدوان الثلاثي الإنكلو – فرنسي إسرائيلي على مصر في العام 1956، أنذر الاتحاد السوفيتي بريطانيا وفرنسا، بوقف الحرب والانسحاب، وإلّا فإنه سيتدخّل بثقله النووي، وهو ما عُرف بإنذار نيكولاي بولغانين رئيس الوزراء في حينها، ومثل هذا التحذير صدر عن واشنطن أيضًا، الأمر الذي أدّى إلى وقف الحرب والانسحاب لاحقًا.

ما أحوجنا اليوم إلى روح باندونغ وكتلة وازنة من دول عدم الانحياز لإنهاء حرب الإبادة على غزة، وإيجاد حلّ عادل للقضية الفلسطينية على أساس حق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، وأولًا وقبل كلّ شيء ردع العدوان، وذلك أحد واجبات مجلس الأمن والدول الدائمة العضوية فيه.

السابق
تفسير التاريخ بين التعميم والتخصيص
التالي
تعيين جانيين بيرو اللبنانية الأصل في أرفع منصب قضائي بواشنطن