في قلب الجغرافيا السورية الملتهبة، تقف محافظة السويداء عند مفترق طرق خطير. هنا، لا تدور المعركة فقط بالسلاح، بل بهويات سياسية وتاريخية متداخلة، تفرض على الطائفة الدرزية خيارات مصيرية في ظلّ تصاعد التجاذبات الإقليمية والدولية. وبين انقسام الداخل السوري وهشاشة السلام اللبناني، تُطرح أسئلة كبرى عن المستقبل: هل نحن أمام انتفاضة محلية؟ أم مقدمة لتغيير جيوسياسي أشمل؟
“الدروز جميعهم لا يريدون حربًا مفتوحة، لأن الحرب المفتوحة مع الطائفة السنية هي حرب خاسرة”، بهذه العبارة يختصر الدكتور مكرم رباح خطورة اللحظة. لحظةٌ تشبه، إلى حدّ بعيد، انفجار مرجل الطوائف في سوريا، وامتداد نيرانه حتى مشارف لبنان. لكنّ ما يميّز دروز السويداء، بحسب رباح، هو وحدتهم عند الخطر، وانقسامهم فقط عند السلم. فهل يمكن أن تصمد هذه المعادلة في ظلّ الزلزال الذي يضرب جبل العرب؟
منذ اندلاع أحداث السويداء، تقف الطائفة الدرزية عند مفترق طرق مصيري، وسط مشهد سوري متشظٍ، تتداخل فيه الحسابات الإقليمية بالانقسامات المحلية. صراعٌ تغيب عنه خطوط التماس التقليدية، وتحضر فيه جبهات النفوذ بين تركيا وإسرائيل، والمصالح الإيرانية والخليجية، والأميركية أيضًا.
لكنّ الأزمة لم تبقَ محصورة في الداخل السوري. فصدى الانفجار يقرع أبواب لبنان، ويُحدث صدىً ثقيلًا داخل البيت الدرزي اللبناني. وهنا، تتعدّد المقاربات وتتضارب القراءات، من وليد جنبلاط الى طلال ارسلان الى وئام وهاب، ومن جبل لبنان إلى جبل العرب. فهل ينفرد صوت البندقية بالموقف؟ وهل يمكن أن تصل شرارة السويداء إلى الداخل اللبناني؟
د. مكرم رباح
موحدون في الحرب.. منقسمون في السلم!
يرى رباح، أستاذ التاريخ في الجامعة الأميركية في بيروت، أن ما يجري ليس خلافًا تقليديًا بين دروز السويداء والسلطة الجديدة في سوريا، بل “مزيج من الصراعات الدولية والإقليمية”، حيث تتشابك خيوط الصراع التركي–الإسرائيلي مع مصالح طهران وواشنطن، وفصائل مسلحة تعمل على فرض سلطتها. ويضيف: “المسألة معقدة، ولا يمكن اختزالها بخطاب شعبوي”، مشيرًا إلى أنّ اشتباكًا في مدينة سورية صغيرة أدى إلى استنفار لبناني كامل، “وهذا دليل على هشاشة السلام بين مكونات الكيانات القائمة”.
وفي مواجهة هذا الواقع، يظهر الدروز كمجموعة توحّدت ساعة المواجهة، لكنها لم تحسم أمرها سياسيًا، “الدروز مجمعون على القتال سويًا”، يقول رباح، “لكنهم لا يتفقون على مقاربة سياسية موحدة”. ومع ذلك، يرفض وصف النقاشات الداخلية بأنها انقسام جذري.
في المقابل، أشار العميد الدكتور خالد حمادة، مدير المنتدى الإقليمي للاستشارات والدراسات، إلى أن الطائفة الدرزية لم تكن موحدة الكلمة في مقاربتها للعلاقة مع الدولة السورية وحكومة الشرع، إذ برز اتجاهان متعارضان. الأول سعى إلى خفض سقف الشروط والتوصل إلى صيغة تفاهم مع الدولة، لكنه لم ينجح في تحقيق أي اختراق. أما الاتجاه الثاني، فكان “بقيادة الشيخ حكمت الهجري، الذي تمسّك بشروط صارمة، ما أدى إلى انسداد كامل في الأفق السياسي”. ومع ذلك، يؤكد المصدر أن “الاتفاق الذي ثبت برعاية أميركية قد ألغى عمليًا أي جدل داخلي”، مضيفًا أن “الكل أصبح ضمن صيغة سورية محلية تخص منطقة السويداء وأهلها، دون أي تدخل حكومي مباشر في الموضوع”.
رباح: ما يجري هو “مزيج من الصراعات الدولية والإقليمية”، حيث تتشابك خيوط الصراع التركي–الإسرائيلي مع مصالح طهران وواشنطن، وفصائل مسلحة تعمل على فرض سلطتها.
العميد خالد حمادة
مكاسب إسرائيل!
من جهة أخرى، وفي تقييم ميداني دقيق لما يجري في السويداء، لفت حمادة إلى البُعد الاستراتيجي لما يحدث على تخوم الجغرافيا السورية – الإسرائيلية، مشيرًا إلى أن “طبعًا لإسرائيل دور في ما جرى، إذ تمكّنت من توسيع نطاق المنطقة المنزوعة السلاح شرق الأندوف، من عمق 30 كيلومترًا إلى أكثر من 70 أو حتى 80 كيلومترًا، وتجريد درعا من السلاح”، وبرأي العميد، فإن هذا هو “المكسب الحقيقي لإسرائيل، بصرف النظر عن العناوين التي رفعتها كحماية للدروز أو غير ذلك”.
لا أحد يبرر المجازر..
على الرغم من الاصطفاف الميداني، يصرّ رباح على عدم تبرير أي مجازر، ويقول في هذا الصدد: “لا يمكن القبول بتحويل الخلاف السياسي إلى استباحة دم الدروز”. لكنه يضيف بصراحة: “المجازر التي ارتكبها الدروز ضد البدو غير مبررة أيضًا”. في نظره، الطائفة تعاني من استهداف وجودي، لكن لا يجب التنصّل من أخطائها.
الهوية الوطنية هي جوهر المعركة، بحسب رباح. فـ”لا وجود لدرزي سوري خارج سوريا، ولا لدرزي لبناني خارج لبنان”. ومن هذا المنطلق، يرفض كل مزايدات الانفصال، معتبرًا أن “ما يُقال عن نزعات انفصالية ليس سوى مزايدات. فلا بديل للدروز عن أوطانهم”.
لا مشروع انفصالي!
وفي ذات السياق، شدّد العميد على أن لا وجود لأي مشروع انفصالي في السويداء، لا من قبل أبنائها ولا من الجانب الأميركي. وأوضح: “أنا لا أرى في أجندة دروز السويداء، ولا حتى في الأجندة الأميركية، أي مخطط للانفصال عن سوريا”. وأضاف أن التصريحات الصادرة عن المسؤول الأميركي طوم باراك خلال زيارته إلى بيروت لم تُظهر أي توجه نحو تقسيم سوريا أو أي منطقة أخرى.
وبحسب قراءة العميد، فإن الموقف الأميركي يركّز على الحفاظ على وحدة الأراضي السورية ضمن حدودها الطبيعية، وعلى “ضمان حماية الأقليات من قبل الحكومات”، في إطار مشروع أوسع يهدف إلى إنهاء وجود “اللاعبين غير الحكوميين” وإعادة تثبيت سلطة الدولة، لكن ضمن شروط واضحة تتعلق بتطبيق الدساتير واحترام المواطنة الكاملة، بما يضمن عدم التمييز بين المواطنين وحقوق الأقليات، لكنه يؤكد “استحالة أن يكون هناك في المستقبل القريب عودة طبيعية للسويداء إلى كنف الدولة”.
وئام وهاب حاضر في الحرب.. وغائب في السلم
يشير رباح إلى أن وئام وهاب يسعى لاستثمار غضب الدروز، خاصة ممن فقدوا أقرباءهم في المعارك، لكنه يضيف أن حضوره ينحصر عادة في فترات التوتر. أما في أوقات الهدوء، فالكلمة تبقى لوليد جنبلاط، الذي يمثّل “منطق التهدئة”. ويلاحظ أن خطاب الزعامة الدرزية مرن ويتبدّل تبعًا للظرف والمصلحة العاليا للدروز، ففي الحرب “وقف الدروز مع الشيخ الهجري”، أما في السلم فـ”كلام وليد جنبلاط له الأولوية”، ويصرّ على أن “حماية الدروز لا تُبنى فقط على البندقية”.
الدروز سيف السنة والعكس صحيح!
يرى رباح أن العلاقة بين السنة والدروز في لبنان ليست عابرة أو مؤقتة، بل هي علاقة “متجذّرة”، مستعيدًا وقائع من التاريخ اللبناني تؤكد أن “الدروز كانوا سيف السنة، والعكس صحيح”. ويُشدّد على أن البيئة السنية في لبنان لم تُظهر أي نزعة تكفيرية ضد الدروز، ويشدد على أن المؤسسات السياسية الدرزية والسنية ليست في وارد الانخراط في صدامات أهلية. مع ذلك، لا يخفي قلقه من هشاشة الوضع اللبناني، محذرًا من انتقال “العدوى المذهبية”، لأن “لبنان بلد يلتقط الجراثيم والأمراض الطائفية بسهولة”. ويحذّر رباح من “اللعب بالورقة السنية” في سوريا، معتبرًا أن استغلالها لتأجيج الاحتقان الأهلي هو مسارٌ بالغ الخطورة، قد تنفجر تداعياته في أشكال يصعب احتواؤها لاحقًا.
العميد حمادة: الموقف الأميركي يركّز على الحفاظ على وحدة الأراضي السورية ضمن حدودها الطبيعية، وعلى “ضمان حماية الأقليات من قبل الحكومات”، في إطار مشروع أوسع يهدف إلى إنهاء وجود “اللاعبين غير الحكوميين” وإعادة تثبيت سلطة الدولة
العزلة والتجويع بدل الحرب
في ظل هذا الواقع المأزوم، يبرز سؤال جوهري: هل تتجه الأمور نحو حل حقيقي، أم نحو مناوشات مستمرة وعمليات استنزاف بين الأطراف المتحاربة؟ وهل يمكن أن نشهد لاحقًا تنظيمًا جديدًا للعلاقة بين السويداء ودمشق، أم أن الأمور ذاهبة نحو انفصال فعلي للمحافظة عن سوريا؟
أما الأخطر، في رأي رباح، فهو ما ينتظر دروز السويداء في المرحلة المقبلة: “ليس الخطر في الحرب، بل في العزلة السياسية والاقتصادية”، وبينما يأمل رباح أن يكون هذا التقدير خاطئًا، إلا أن تصريحات طوم باراك قرأ فيها مؤشرًا مقلقًا. ويسأل رباح “ما الذي نريد تأسيسه؟ هل نريد دولة إسلامية أم دولة سورية حديثة؟ هذا لب المسألة”، فعمليات القتل استباحت سوريين من الطائفة الدرزية أي أن القتل حصل بين “أبناء الوطن الواحد” وهذا أمر مرفوض. ويشير إلى أنه وحتى اليوم فإن “صورة أبو محمد الجولاني أقوى من صورة أحمد الشرع”.
لكن العميد حمادة فيرى أن مسبّبات الوضع الراهن في السويداء تعود إلى تراكم مجموعة من العوامل، أبرزها ما وصفه بـ”ضعف الحكومة السورية الجديدة” التي تولّت الحكم عقب سقوط نظام الأسد منذ بضعة أشهر فقط. ويشير إلى أن هذه الفترة الزمنية القصيرة “لم تكن كافية لبناء أجهزة أمنية فاعلة، ولا لإعادة هيكلة الدولة، أو لتنقية الأجهزة من العناصر المتشددة”.
ويضيف أن “ستة أشهر لا تكفي لمواجهة كمّ المخاطر التي عصفت بسوريا، سواء مع الأكراد أو العلويين، وصولًا إلى ما يجري اليوم في السويداء مع الدروز”. ويختم بالقول: “أعتقد أن الوضع ممسوك اليوم في السويداء بالتزامات وبتقييدات دولية، واليوم تذهب سوريا للاهتمام بالإنماء المتوازن ومحاولة تطوير الدولة كما يجب”.
سوريا الى أين؟
ختاما، يطرح رباح سؤالًا مصيريًا: “هل نريد دولة دينية أم دولة مواطنة حديثة؟”، في إشارة إلى أن الأزمة أعمق من مجرد صراع محلي، وأن إعادة بناء سوريا لن تنجح إلا على قاعدة العدالة والمواطنة والمساواة بين المكونات.
ففي لحظة كهذه، تصبح السويداء مرآة لسوريا كلّها: مجتمع يريد البقاء، يرفض الحرب، لكنه لا يقبل العودة إلى ما قبل الثورة. والطريق إلى المستقبل، لا يمرّ فقط عبر الجغرافيا، بل عبر الاعتراف بالآخر، والعيش معه، لا على حسابه.
يقدّم موقع جنوبية مواضيع خاصّة وحصرية، تتضمن صوراً ووثائق وأخباراً من مصادر موثوقة ومتنوّعة تتراوح بين السياسة والمجتمع والاقتصاد والأمن والفن والترفيه والثقافة.