(إلى آمنة… وإلى خليل)
بدل أن ينتصر بالسلاح كما كان يتمنى منذ عقود، قرر عبدالله أوجلان زعيم حزب العمال الكردستاني أن ينتصر على سلاحه، من خلال التخلي عن الكفاح المسلح واعتماد خيار الصراع الديمقراطي.
لطالما تنافست نظرية العنف الثوري مع نظرية النضال اللاعنفي في البحث عن الطرق الفضلى لمواجهة عنف الظالم وإحلال العدالة. النظريتان حققتا نجاحات وإخفاقات، نجاحات في ظروف معينة وإخفاقات في ظروف أخرى. غير أن نظرية النضال اللاعنفي بقيت على الدوام الأقوى أخلاقياً، وإن لم تكن في حالات كثيرة الأنجح عملياً.
التنظيمات الكردية حملت السلاح لأكثر من مئة عام من النضال، دفاعاً عن قضيتها بوجه أنظمة عربية وتركية وإيرانية، وبنت سلطتها على قوة السلاح، ورفضت الاعتراف بحق الشعب الكردي في أن يكون له دولته المستقلة. كل ذلك بتواطؤ مستمر مع القوى العظمى.
على الأرجح أن قرار أوجلان ناتج من تراكم الظروف السلبية بالنسبة لقضيته الأم، أي الدولة الكردية المستقلة، وقد اختار العمل من أجل حقوق الأكراد في إطار الدولة الوطنية التركية، مع دعم لحقوقهم في الدول الأخرى التي يتواجدون فيها. وعندما يقول: “إن المرحلة الجديدة تتطلب إنهاء الكفاح المسلح بشكل طوعي، والانتقال إلى العمل السياسي القانوني”، يعني أن القرار أملته الظروف الجديدة وليس الاقتناعات المستجدة.
لكن صحيح أن أوجلان يعتبر نفسه ماركسياً-لينينياً، وأن العنف الثوري في صلب عقيدته، غير أنه كان يعتبر أيضاً أن المجتمع الوطني الأبوي أخطر من النظام الرأسمالي، ويدعو إلى المساواة بين المرأة والرجل. لعله كان في حينه يلامس الجذور المجتمعية للعنف السابقة للرأسمالية، ويضعها في مرتبة الاستغلال الرأسمالي، ويمهّد بالتالي ربما للانتقال إلى إدانة العنف بحد ذاته.
على كل حال، ليس من الضروري أن يكون أوجلان قد اتخذ خياره الجديد انطلاقاً من اعتبارات مبدئية متصلة برفض العنف حتى نقدّر خياره، فالاعتراف بالواقع وما يمليه من سلوك حرصاً على مصلحة الجماعة التي ندافع عنها، هو أيضاً موقف أخلاقي.
أياً كانت التفسيرات، يُسجَّل لأوجلان القدرة والجرأة على الانتصار على سلاحه، وهو بمثابة انتصار على الذات لكل من اعتمد على السلاح في مسيرته النضالية. فالسلاح يصبح جزءاً غير منفصل عن الشخصية لا تكتمل إلا بمعيته. ذهبتُ أبعد من ذلك عندما كررت مراراً أن السلاح لا يقتل خصمه فقط، بل حامله أيضاً، إذ إنه يحل محله. بهذا المعنى، وبانتصاره على السلاح، حرّر أوجلان نفسه، وإن كان قد فعل ذلك، ويا للمفارقة المؤلمة، وهو مسلوب الحرية، قابعاً في السجن.
قام 30 عنصراً من حزب العمال الكردستاني برمي أسلحتهم وحرقها، استجابةً لنداء زعيمهم عبدالله أوجلان، في إطار “عملية السلام” بين الحزب والدولة التركية. يمكن لعملية الحرق أن تدل على عدم رغبة الحزب في تسليم سلاحه لأحد، كما أنها يمكن أن ترمز إلى الرغبة في إلغاء السلاح كلياً من الوجود.
تخلّي أوجلان عن الكفاح المسلح لا يعني التخلّي عن قضيته، بل كما قال بنفسه، إنه تعويلٌ على العمل الديمقراطي القانوني من أجل نصرة هذه القضية. وهذا ما يجب أن يكون البديل الفعلي عن حمل السلاح، أي أن يسمح الصراع الديمقراطي بتأمين المساواة في الحقوق بين الأقلية الكردية والأكثرية التركية.
يُسجَّل لأوجلان القدرة والجرأة على الانتصار على سلاحه، وهو بمثابة انتصار على الذات لكل من اعتمد على السلاح في مسيرته النضالية. فالسلاح يصبح جزءاً غير منفصل عن الشخصية لا تكتمل إلا بمعيته
من السلاح إلى النظام: حزب الله ومأزق الصيغة اللبنانية
“الحل الديمقراطي” بالنسبة للأقليات، معطوفاً على “الحل اللامركزي”، هما ما يشغل بال ليس فقط الأقليات الإثنية، بل أيضاً الأقليات المذهبية في المشرق العربي، وتحديداً في سوريا والعراق ولبنان. ولا أعتقد أن مسألة حصرية السلاح بيد الدولة، في البلدان الثلاثة، يمكن مقاربتها بمعزل عن “الحل الديمقراطي/ اللامركزي”. ذلك أن اللامركزية هي أحد أشكال الديمقراطية في المجتمعات التعددية، كما أن الديمقراطية هي آلية الحكم المعتمدة في اللامركزية، على المستوى المركزي واللامركزي على حد سواء.
أحد مشايخ حزب الله قالها لنا مباشرةً: “سلاحنا ديننا”، مهدداً بنزع أرواح كل من يطالب بنزع سلاح الحزب. كما أن المزاج الشيعي العام على ما أظن، غير مطمئن هو أيضاً لتسليم السلاح، مع أنه يخشى في الوقت نفسه أن يؤدي التمسك بالسلاح إلى نكبة شيعية عظمى على يد العدو الإسرائيلي.
لم تعد مسألة سلاح حزب الله مرتبطة بمقاومة إسرائيل، بعد الانكسار العسكري للحزب وعجزه المستمر عن الرد على الاعتداءات اليومية، فضلاً عن توقع توسّع الهيمنة العسكرية التكنولوجية الإسرائيلية. معضلة السلاح أصبحت برأيي قضية بحت حزبية – مذهبية على المستوى الداخلي، الأمني والسياسي: كيف يسلّم الحزب السلاح في دولة لبنانية تعددية، تتصارع فيها المذاهب على السلطة، وبعد أن لعب السلاح دوراً مفصلياً في تعاظم نفوذ الحزب في هذا الصراع؟ كيف يسلّم سلاحه في دولة محاذية لإسرائيل، العدو الأول له، كما أنها محاذية لسوريا المحكومة اليوم من نظام سني معادٍ له عقائدياً أولاً، وسياسياً ثانياً، بسبب تدخله في الحرب في سوريا؟
م تعد مسألة سلاح حزب الله مرتبطة بمقاومة إسرائيل، بعد الانكسار العسكري للحزب وعجزه المستمر عن الرد على الاعتداءات اليومية، فضلاً عن توقع توسّع الهيمنة العسكرية التكنولوجية الإسرائيلية.
الحوار كسبيل وحيد: لا تسوية بلا دولة ديمقراطية عادلة
تفادياً لحرب أهلية، لا أرى بديلاً عن محاورة حزب الله حول سلاحه، لكن أيضاً حول الدستور والنظام الديمقراطي وتركيبة الدولة التي تطالبه بتسليم سلاحه. وهذا الحوار يجب أن يتم بعد قرار الحكومة الواضح بتسليم سلاح الحزب، وفي مرحلة البدء بمناقشة برمجة هذا التسليم وكمكمّل ضروري له. ذلك أن السلاح هو جزء من عقيدة الحزب التي تحدد بدورها مفهومه للسياسة وللأنظمة السياسية. وهذا المفهوم المُستَمد من عقيدة ولاية الفقيه، يتناقض جذرياً مع مفهوم الدستور اللبناني.
مع ذلك، أعتقد أن الديمقراطية والاتفاق على تركيبة الدولة، هما البديل الوحيد عن الحرب الأهلية التي يهدد بها حزب الله، ويقلل خصومه من احتمال حصولها إذا جرى مطالبته بتسليم سلاحه بالقوة. حرب أهلية قد تدفع إليها الضغوطات التي تنهال على البلاد بشكل متزامن، من الجانب الإسرائيلي والأميركي والسوري.
لا أدعو إلى هذا الحوار السياسي من منطلق ضرورة مقايضة سلاح حزب الله: نفوذ سياسي مقابل تسليم السلاح، بل من اعتقاد يترسخ يوماً بعد يوم، من أن التركيبة اللامركزية للدولة تتناسب أكثر مع التعددية في المجتمع اللبناني، وفي مواجهة تفاقم الأحقاد المذهبية والطائفية عندنا، أو المحيطة بنا من كل جانب، وآخرها أحداث السويداء السورية. فهل ننتظر الحرب الأهلية القادمة وأهوالها لنعيد النظر بالتركيبة السياسية في بلادنا؟ السؤال يحيل إلى حجم مسؤولية العهد والمجلس النيابي والحكومة، ومخاطر عدم أقدامها على المبادرة واستباق الأحداث المحلية والإقليمية، لا سيما أن الدستور يتيح لها المخارج اللازمة.
اجتماعا المجلس النيابي والحكومة هذا الأسبوع سيؤشر إلى أي مدى الطبقة السياسية الحاكمة، بأحزابها، تشعر بالمسؤولية في هذه المرحلة المصيرية من تاريخ الوطن، وتبتعد عن الاجتماعات الفولكلورية التي تفاقم من الأزمة بدل أن تعالجها.
أعتقد أن الديمقراطية والاتفاق على تركيبة الدولة، هما البديل الوحيد عن الحرب الأهلية التي يهدد بها حزب الله، ويقلل خصومه من احتمال حصولها إذا جرى مطالبته بتسليم سلاحه بالقوة.
بعد أن قال إن “السلاح زينة الرجال”، في مرحلة تاريخية معينة، ماذا كان يمكن للإمام موسى الصدر أن يقول اليوم بعد أن أصبح السلاح هو ما يزيّن إسرائيل دون غيرها في المنطقة، ويسمح لها باحتلال الأراضي وإخضاع الشعوب؟ ألم يتحوّل السلاح إلى وسامٍ ملطّخ بالدماء، يتزيّن به أقبح الرجال وأكثرهم وحشيةً؟
ألسنا نحتاج أكثر اليوم إلى رجال ونساء يزدرون السلاح ويبنون مجتمعهم على أساس الديمقراطية واللامركزية واحترام الاختلاف والتنوع من منظور حقوق الإنسان؟ وهي المقوّمات الأساسية التي يُعوَّل عليها فعلياً لرفض أي هيمنة خارجية، تستمد جذورها من تبعيتنا الفكرية والعاطفية، قبل أن تبسط سلطتها علينا على الأرض، في الأمن والسياسة والاقتصاد.
اقرأ أيضا: تصفية «القرض الحسن».. بين حماية المودعين ومخاطر التمويل غير المشروع

