محطة آبار بدل «سد بسري»: المياه من باطن الأرض لا بتدمير الأرض!

منذ سنوات، دار جدل واسع حول مشروع سد بسري الذي طُرح تحت شعار “تعزيز إمدادات المياه للعاصمة بيروت”. ورغم التمويل الكبير الذي خُصص له من البنك الدولي، فقد تعثّر تنفيذه بسبب معارضة علمية وشعبية واسعة، ليُقفل لاحقًا دون تنفيذ فعلي. اليوم، وبينما يعاني اللبنانيون من أزمة مياه خانقة، يعود الحديث مجددًا عن ضرورة “إحياء” هذا المشروع، وكأنه لا بديل له.
إلا أن الحقائق العلمية والتاريخية تكشف عكس ذلك تمامًا. فبدلاً من بناء سد ضخم فوق منطقة ذات هشاشة جيولوجية كارستية، تمتلك بسري ومحيطها إمكانيات مائية هائلة مخزنة طبيعيًا في باطن الأرض، يمكن استغلالها عبر شبكة آبار مدروسة، كما فعلت مشاريع رائدة في التاريخ القريب والبعيد.

المياه في باطن الأرض: مورد مستدام ومتوفر
تُظهر الدراسات الهيدروجيولوجية الميدانية، ومن ضمنها الآبار التي حفرها مجلس الإنماء والإعمار نفسه، وجود مياه جوفية غزيرة مخزنة في طبقات الكربونات الجوراسية العلوية، على أعماق لا تتجاوز 150 مترًا في بعض المواقع. وقد رُصدت تدفقات ضغطية قوية حالت دون تعميق الحفر، ما يدل على وفرة في المياه الجوفية، يمكن استخراجها دون الحاجة لتجريف التربة أو قطع الأشجار أو إحداث أضرار بيئية لا رجعة فيها.

آبار فخر الدين ووادي جيلو: دروس من التاريخ القريب
لمن لا يعلم، قد نفّذت الدولة في وادي جيلو – صور والنبطية – مشروعًا ناجحًا، حيث استُخرجت المياه من باطن الأرض عبر آبار ومحطات ضخ، ما لبّى حاجات قرى بأكملها لعقود طويلة وحتى الآن.
فقد تأسست محطة آبار فخر الدين في شهر آب 1994، برعاية رئيس مجلس النواب نبيه بري، كمشروع استراتيجي لتأمين المياه لمنطقة النبطية. تتألف المحطة من 8 آبار جوفية تنتج ما بين 10 و11 ألف متر³ من المياه يوميًا. وبحسب مؤسسة مياه لبنان الجنوبي، فإن هذه الآبار تغذي مدينة النبطية إضافة إلى 15 بلدة ضمن قضاء النبطية.
كما بدأ مشروع آبار وادي جيلو في قضاء صور في أوائل تسعينيات القرن الماضي، كأول مبادرة ضخمة لمياه الشفة في الجنوب، وقد تم تنفيذ المشروع في تلك الفترة وتسليمه لاحقًا إلى مصلحة مياه لبنان الجنوبي. والمشروع لا يقتصر فقط على تزويد بلدة وادي جيلو، بل يشمل أيضًا شبكة توزيع تغذي عددًا من القرى في قضاء صور وبنت جبيل.
فكيف لنا اليوم أن نتجاهل تلك التجارب وأن نصر على مشروع مكلف، مدمّر بيئيًا، وغير مضمون جيولوجيًا؟

آبار بسري: الخيار العلمي والوطني
إن حفر واستثمار آبار استراتيجية في مرج بسري، وربطها بشبكة نقل ومعالجة مائية حديثة، يشكل حلًا:

  • أقل كلفة بعشرات الملايين من الدولارات،
  • أسرع تنفيذًا،
  • وأقل ضررًا بيئيًا واجتماعيًا.
    كما يُعيد الثقة بين الدولة والمجتمعات المحلية التي عانت التهميش والتجاهل، ويقدم نموذجًا للتنمية المستندة إلى المعرفة العلمية والعدالة البيئية.

لا نريد سدًا، نريد ماءً
إن الناس في إقليم الخروب وبيروت وغيرها من المدن لا يطلبون سدًا، بل ماءً نظيفًا، والماء موجود في جوف أرض بسري.
آن الأوان لطي صفحة المشاريع الفاشلة والمشبوهة، والعودة إلى العقل والعلم والتجربة.
“آبار بسري” ليست حلمًا، بل خيارًا عمليًا، متاحًا، وموثقًا بالدراسات والوقائع.

السابق
أدرعي يعلّق على غارات الجنوب: لم نستهدف مبانٍ مدنية
التالي
بعد تورطهم في تفجير مركز آميا.. محاكمة مسؤولين إيرانيين وأعضاء بحزب الله غيابيًا في الأرجنتين