قراءة في نتائج الانتخابات البلدية: تثبيت لهيمنة السلطة وتغليب للزعامات على التنمية

الانتخابات البلدية

على الرغم من مرور شهر على انتهاء الاستحقاق الانتخابي البلدي والاختياري، فإن تداعيات نتائجه ما زالت مستمرة من خلال النزاعات التي تشهدها عملية انتخاب رؤساء الاتحادات البلدية في لبنان.

البلدية، بالتعريف العام، هي سلطة محلية لنطاق جغرافي محدد، تسعى لوضع خطة تنموية تأخذ بعين الاعتبار الموارد الطبيعية والبشرية، وتقدم الخدمات العامة للمقيمين في نطاقها.

لكن الوضع الفعلي للبلديات، وخصوصاً بعد اتفاق الطائف وإجراء أول انتخابات بلدية عام ١٩٩٨، مختلف تماماً، فقد كان معظم البلديات أداة لإنتاج العلاقات السياسية بين المواطنين والأطراف السياسية السلطوية، وتحولت إلى مكاتب لبناء الزبائنية السياسية، وتغطية عمليات الفساد لصالح أفراد متنفذين أو جماعات من أطراف السلطة.

بعد ثلاثة تمديدات منذ عام ٢٠٢٢ إلى ٢٠٢٥، وبعد توقف الحرب الإسرائيلية على لبنان رسمياً عام ٢٠٢٤، برزت الحاجة لدى أطراف السلطة، إن كانت في الحكم أم خارجه، لتنفيذ الاستحقاق وإظهار قوة كل طرف منها، وقدرته على الإمساك بجمهوره ومنطقته.

لذلك، لم تشهد جميع المناطق تنافساً ديمقراطياً بين لوائح مختلفة تحمل كل منها برنامجاً تنموياً واقعياً وقابلاً للتنفيذ، بل أتت المشاريع عبارة عن أحلام خطّها لهم الذكاء الاصطناعي، ومواقف تقوقع للمكونات في كل منطقة. وتحولت كل منها إلى ساحة للنزاع بين الأطراف السياسية.

المناطق ذات الأغلبية المسيحية

شهد معظم المناطق ذات الأغلبية المسيحية نزاعاً بين حزب القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، للإمساك بالسلطات المحلية والتحدث باسم المسيحيين. واستُكمل النزاع بمحاولة كل طرف الإمساك باتحاد المنطقة، وكل ذلك يجري على أساس سياسي لا على مقياس الخطط التنموية الواقعية والمقترحة، واعتبار الانتخابات البلدية هي المدخل للانتخابات النيابية القادمة.

لم تشهد جميع المناطق تنافساً ديمقراطياً بين لوائح مختلفة تحمل كل منها برنامجاً تنموياً واقعياً وقابلاً للتنفيذ، بل أتت المشاريع عبارة عن أحلام خطّها لهم الذكاء الاصطناعي

المناطق ذات الأغلبية الشيعية

أما في المناطق ذات الأغلبية الشيعية، فإن التفاهم بين طرفي الثنائي الشيعي أتى على خلفية “نحن أو لا أحد”، وكيف يمكن منع أي مجموعة معارضة من الوصول إلى موقع بلدي. واستخدم الثنائي الشيعي مختلف الوسائل لفرض التزكية في عدد كبير من البلدات، والضغط في بلدات أخرى. وقد حصلت خروقات عدة في بلدات مختلفة، ويحاول الثنائي الشيعي استيعابها من داخل المجلس نفسه أو من خلال الاتحادات البلدية الممسوك بها بشكل كامل.

أتت المعارك البلدية تحت شعارات تعتمد على حماية الطائفة ودورها في نظام المحاصصة. كما تم طرح ممثلين عن العائلات، لكنهم ممسوكين من قبل الزعامة السياسية. لكن هذا التحالف الوثيق الرامي إلى منع معارضة جدية من الوصول، واجه مشكلات تتعلق بتوزيع الحصص والمواقع في المجالس بعد الانتخابات البلدية.

مناطق الموحدين الدروز

وفي مناطق تواجد الموحدين الدروز، فقد نجح الزعيم الدرزي وليد جنبلاط بإدارة المعارك وتوزيع الحصص على عائلات وقوى، لكنه حافظ على موقعه المقرر في المناطق المذكورة.

في المناطق ذات الأغلبية الشيعية، التفاهم بين طرفي الثنائي الشيعي أتى على خلفية “نحن أو لا أحد”، وكيف يمكن منع أي مجموعة معارضة من الوصول إلى موقع بلدي

المناطق ذات الأغلبية السنية

ونعني بها مناطق الشمال بشكل رئيس، فقد طغى على الاستحقاق البلدي النزاع والتمثيل العائلي، في حين غابت مشاريع الحلول للمشكلات التي تعاني منها المنطقة، وبرزت قوى تحاول أن تكون وريثة للحريرية السياسية.

إذا كانت الأطراف السياسية السلطوية قد استخدمت الخطاب السياسي للإمساك مجدداً بالجمهور، فإن المعارضة الديمقراطية التي لم تبنِ كتلة اجتماعية متراصة خلال الفترة الماضية، من خلال طرح مشكلات كل منطقة والضغط لفرض حلول لها، اكتفت بشعارات مشاريع تنموية لا تستند إلى تراكم نضالي دفاعاً عن مصالح الناس في التنمية المستدامة.

أما على صعيد المدن الأساسية في لبنان، ونعني بها بيروت، طرابلس، صيدا، وصور، فإن السمة الأساسية لها هي تدني نسبة المشاركة في العملية الانتخابية، وله أسبابه الموضوعية والذاتية التي يجب نقاشها بشكل واسع ومستفيض.

لكن انخفاض نسبة المشاركة يسلط الضوء على أهمية أن يكون الانتخاب البلدي على أساس السكن وليس على أساس السجل، وهذا ما يتعارض مع النظام الطائفي، وخصوصاً نظام المحاصصة منه. ولهذا الموضوع نقاش آخر.

اقرأ أيضا: «بالقلب والعقل».. أول حديث عن دخول «الحزب» الحرب إلى جانب إيران

السابق
منظمة الصحة العالمية تنشر تعليمات حول كيفية الوقاية من الاشعاعات في حالات الطوارئ النووية
التالي
اغتيال المرافق الشخصي لنصرالله «أبو علي» مع قائد أمني عراقي عند الحدود مع إيران