مخيمات فلسطين ارض الدولة اللبنانية

حارث سليمان
يخص الناشط السياسي والأكاديمي الدكتور حارث سليمان "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

شكلت زيارة رئيس السلطة الفلسطينية السيد محمود عباس مناسبة لاستعادة موضوع المخيمات الفلسطينية، صدارة المشهد السياسي والاعلامي، واذا كان موقف الرئيس الفلسطيني، من ان الدولة اللبنانية هي صاحبة السيادة المطلقة على الاراضي اللبنانية، وانها مسؤولة عن امن المخيمات الفلسطينية تمارس سيادتها عليها كاملة، وتطبق شعار حصرية السلاح بيدها في كل لبنان داخل المخيمات الفلسطينية وخارجها، وتلزم كافة الاحزاب اللبنانية والفصائل الفلسطينية بحقها منفردة دون شريك، بامتلاك قرار السلم والحرب التي تنطلق من لبنان، اذا كان هذا الموقف ليس جديدا وكان ابو مازن، قد ردده نظريا وعمليا منذ اكثر من عشر سنوات.

إقرأ أيضاً: حارث سليمان: الانكار المقدس

فان ماظهر من جديد في هذه القضية امران؛ الاول ان الرئيس الفلسطيني اعتبر سلاح المخيمات يضر بالشعب الفلسطيني ولا يحميه، وانه ايضا يضر بشعب لبنان وينتهك سيادة دولته، الامر الثاني هو استنتاجه استطرادا، ان كل سلاح اي سلاح غير سلاح الدولة اللبنانية هو مضر بلبنان وفلسطين، وهو ما تزامن مع آليات تطبيق القرار الدولي الصادر عن مجلس الامن والذي ينفذ تباعا ويتضمن نزع سلاح حزب الله في لبنان، وقد انجزت معظم المهمة المطلوبة جنوب نهر الليطاني، ويدور كباش جديد بين الدولة اللبنانية وحزب الله حول المضي قدما في نزعه في كل لبنان، و في ظل هذا الكباش تشكل مشهد سياسي، بعد الزيارة، يحمل مفارقات واحراجات متعددة الجوانب والمضامين :
اولها.؛ انها للمرة الاولى منذ اتفاق القاهرة في سبعينات القرن الماضي، يحدث تطابق شبه كامل بالموقف السياسي والاجرائي حول طبيعة ودور المخيمات الفلسطينية في لبنان بين الشرعيتين الرسميتين في لبنان وفلسطين.

للمرة الاولى منذ اتفاق القاهرة في سبعينات القرن الماضي، يحدث تطابق شبه كامل بالموقف السياسي والاجرائي حول طبيعة ودور المخيمات الفلسطينية

الثانية ؛ ان السلاح الفلسطيني والمخيمات الفلسطينية، والتي لم تكن طرفا في نزاع او صدام داخلي لبناني منذ عشر سنوات، تتقدم اليوم لتتاخذ موقفا يستند الى موقف الشرعية اللبنانية والعربية وتؤيد موقف لبنان بالالتزام بقرارات الشرعية الدولية.

اما الثالثة؛ فهو احراج الممانعة وحزب الله، وقيادته الجديدة، والتي بنت سرديتها التاريخية وجعلت من جوهر وجودها قتال اسرائيل ومواجهتها من اجل فلسطين، وخاضت كل حروبها في كل المنطقة العربية لايجاد طريق القدس، والاستشهاد في مسارها، وقد جاء موقف عباس، بشرعيته الفلسطينية لينتزع من إيران وحزب الله، راية القضية الفلسطينية، التي حاولت ايران ونجحت مرارا في اختطافها، وليرسم حدود المشروع الوطني الفلسطيني خارج استراتيجية ايران وخياراتها، ان كان في غزة او لبنان…

جاء موقف عباس، بشرعيته الفلسطينية لينتزع من إيران وحزب الله، راية القضية الفلسطينية

ويستند الاستقلال الفلسطيني عن ايران الى موقف عربي حازم يطالب بقيام دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران لسنة ١٩٦٧، وتجاوب من دول الاتحاد الاوروبي وبقية من دول العالم يصل تعدادها الى ١٤٩ دولة.

وبناء على ذلك، وبعد تحرك المجلس الاعلى للدفاع اللبناني، ومن بعده مجلس الوزراء، في مواجهة حركة حماس، وبعد انصياع وخضوع الحركة الفلسطينية لمقررات وإجراءات الدولة اللبنانية، ظهر حزب الله حريصا على شعب فلسطين وكفاحه اكثر من حركة حماس وفلسطينيا امينا لتاريخ الشعب الفلسطيني ونضاله اكثر من حركة فتح، وقد ظهر ذلك في الحملة المبرمجة التي اطلقتها ابواق الممانعة ضد زيارة محمودعباس، وحملات التشكيك التي ظهرت من نفس الجهات حول عدم قدرة ابومازن، ليس فقط على الزام فصائل منظمة التحرير بقراراته، بل وصل التشكيك بعدم جدية اقواله، الى ان يلجأ احدهم مستشهدا بعلامة غياب فتحي ابو العردات مسؤول فتح في لبنان والسفير أشرف دبور سفير فلسطين في بيروت، عن الاجتماع التنسيقي الاول الذي عقدته لجنة الحوار الفلسطينية اللبنانية، لان يستنتج ان ابو مازن لا يستطيع ان يلزم قيادة حركة فتح في لبنان بقراراته.

على خط آخر انبرى احد اللبنانيين من دهانقة مشايخ طهران في لبنان لهجوم غير مسبوق على الرئيس الفلسطيني، وكأن ابو مازن قد جرده من دوره ومبرر مكاسبه.

انبرى احد اللبنانيين من دهانقة مشايخ طهران في لبنان لهجوم غير مسبوق على الرئيس الفلسطيني، وكأن ابو مازن قد جرده من دوره

ما فعلته زيارة ابومازن ل بيروت، لم تحدث هزات ارتدادية في صفوف الممانعة فقط، بل عطلت السنة كثيرة في صفوف قوى اليمين اللبناني، الذين بنوا سردياتهم وقضيتهم التاريخية عبر التحريض على الشعب الفلسطيني والسلاح الفلسطيني، ومشكلة وجود مخيمات فلسطينية، فانبرى البعض منهم، الى اعتبار المستجدات الجارية تمهيدا لتوطين مزعوم يجري تسويقه، بدلا من ان يرتاح ويريح نتيجة ظهور بوادر حلٍ لأزمة ظلت متفجرة في لبنان منذ عقود وآن اوان تفكيكها.

ملاحظة اخيرة، بعد تطورات  سورية واسقاط نظام البعثين في سورية والعراق، ورحيل نظام القذافي، اصبحت الحركة الوطنية الفلسطينية، اكثر تجذرا واصالة، ولم تعد الفصائل المتعددة والمتكاثرة كمناديب لانظمة انتهت وخبت نارها، فاعلة الوجود، او قادرة على المبادرة، وبعد انكفاء دور ايران في كل انحاء الاقليم، عادت فلسطين قضية لابنائها، ودخلت مرحلة جديدة من التحديات واعادة التشكيل، والامر هذا يتطلب استراتيجية جديدة واعادة هيكلة لمنظمة تحرير الفلسطينية على اسس غير فصائلية، بحيث تعمق تمثيل كل الشعب الفلسطيني بكل فعالياته ونخبه وتجمعاته و تنويعاته ومناطق انتشاره في انحاء العالم .

السابق
محاولات تصيد باسم السفارة السعودية: المقيمون اللبنانيون في دائرة الاستهداف
التالي
بالصور: الجيش يضبط جهاز تجسس إسرائيلي في بليدا ويزيل خروقات جنوبية جديدة