قبل نحو شهرين ونصف من الانتخابات البلدية؛ ظهّر النائب أسامة سعد موقفه من البلدية وانتخاباتها: “صيدا تحتاج لتغيير المشهد التنموي والخدماتي برمته”، داعيا في جانب من خطابه في ذكرى استشهاد والده؛ “الشباب الصيداوي للعب أدوار تنتظره في مجال العمل البلدي والتنموي”، رافضاً “المحاصصة” أو “الاستئثار”.
تحركات الحريري
هذا التصور المبكر للمشهد الانتخابي لم يمنع “الآخرين” في المدينة من مفاتحة اسامة سعد بإمكانية التفاهم على مجلس بلدي يمثل مكونات المدينة كافة، لكن إصراره على المرشح محمد دندشلي، ورغبته إعلان القطيعة مع “الخمسة عشرة سنة العجاف” أفشل الجهود.
زارته السيدة بهية الحريري في دارته (19/4) وكانت تأمل منه ليونة ما، سيما أن العلاقة تحسنت معه كثيرا، بعد الانتخابات النيابية عام 2022، عندما كانت أقرب إليه حينها من المرشح -بغير رضاها- يوسف النقيب. أرادت “الجماعة الإسلامية” منه ومن غيره توافقا أو تحالفا ما، كان ليضمن للائحته الفوز لو تم، لكنها لم توفق أيضاً، فتبنت بدورها لائحة ودعمتها، فيما فضّل النائب عبد الرحمن البزري دعم مرشح بعينه بعيدا عن التبني المعلن.
أقفل المشهد على ميدان انتخابي بلا توافق أو تحالف.. وازداد عدد الشباب الطامحين لدخول المجلس البلدي.. وعلى رأسهم المرشح عمر مرجان، الذي تحوّل ظاهرة انتخابية؛ ظن كثيرون أنها ستكتسح الانتخابات البلدية.. قبل أن تتخذ الحريري قرارها بالنزول إلى الميدان “مضطرة”.
في الواقع لم تغب الحريري عن الميدان الانتخابي بالرغم من إعلان الرئيس سعد الحريري عزوف تيار “المستقبل” عن خوض الانتخابات البلدية “ترشيحا وتأييدا”، لكنها ومراعاة منها لهذا القرار لم تشغّل الماكينة الانتخابية كما كانت تفعل من قبل، وإنما تركت لرئيس البلدية السابق محمد السعودي، والمرشح مصطفى حجازي التواصل مع الفعاليات والمرشحين، وحشد “كتلتها الناخبة”.
أقفل المشهد على ميدان انتخابي بلا توافق أو تحالف.. وازداد عدد الشباب الطامحين لدخول المجلس البلدي.. وعلى رأسهم المرشح عمر مرجان، الذي تحوّل ظاهرة انتخابية
العين على البزري
وبالرغم من رفض النائب سعد التوافق على مجلس بلدي، وفشل التحالف مع “الجماعة الإسلامية”، إلا أن قرارها بتشغيل ماكينتها الانتخابية برئاسة يوسف النقيب، في الأسبوع الأخير من الانتخابات، لم يكن لهذين السببين، بقدر ما كان بوجه النائب عبد الرحمن البزري على وجه التحديد، خصوصاً أنها حاولت -في لحظة ما- عرض تفاهم على مرشحه غير المعلن -عمر مرجان- يكون فيه رئيسا للبلدية مع غالبية مريحة من الأعضاء.. لكنه رفض (فضلا عن اعتذاره عن مشروع تحالف مشابه مع “الجماعة الإسلامية في اللحظة الأخيرة”).
واقع الحال أن الحريري لم تشعر في يوم، منذ انتخاب الدكتور البزري نائبا عن صيدا، بالارتياح من مواقفه وحركته السياسية، خصوصا ارتباطه المستجد بالنائب فؤاد مخزومي، تالياً المملكة العربية السعودية، وتظهّر الأمر أكثر في معرض الانتخابات البلدية، التي انتقلت بسرعة من البرامج الانتخابية الواعدة للشباب إلى انتخابات سياسية، على مقاييس الانتخابات النيابية القادمة.
واقع الحال أن الحريري لم تشعر في يوم، منذ انتخاب الدكتور البزري نائبا عن صيدا، بالارتياح من مواقفه وحركته السياسية، خصوصا ارتباطه المستجد بالنائب فؤاد مخزومي
في الحسابات السياسية؛ أرادت الحريري العودة إلى الميدان لـ “تحجيم” النائب البزري، الذي ظل “يأكل من صحنها” منذ انتخابه، من جهة، والحد من طموح النائب سعد الذي وضع عينه على البلدية كلها، من جهة أخرى، وقد حققت الهدفين -ولو بفارق أعضاء ضئيل-، لكنها أثبتت أنها لا تزال القوة الأكبر في صيدا، وأنها مستعدة لـ “التمرد” على القيود المتعلقة بـ “تعليق” تيار المستقبل العمل السياسي عندما يصبح الخطر “وجوديا”.
بدورها خاضت “الجماعة الإسلامية” الانتخابات وحيدة للمرة الأولى منذ العام 1998، ما سمح بتظهير حجمها الفعلي، وقدرتها على إدارة ماكينة انتخابية محترفة. لم تفز لائحتها بأي مقعد، لكنها أسهمت بفوز، ثلاثة مرشحين ضمتهم إلى لائحتها، لم يكونوا ليفوزوا لولا دعمها، فضلا عن ظهورها قوةً ثالثة بحجم الأصوات في المدينة، خلافا لما ظهرت عليه كتلتها التجييرية في الانتخابات النيابية عام 2022.
وسط هذا الاحتدام؛ لا يبدو أن مسار العمل البلدي سيكون سهلا، ولا دعوات تحييد البلدية عن الصراعات السياسية. سيشتد التصارع أكثر كلما اقتربنا من الانتخابات النيابية، لتثبت الوقائع -مرة جديدة- أن كل انتخابات في لبنان؛ بلدية، نقابية، أهلية، فضلا عن النيابية.. محكومة بالولاءات السياسية قبل البرامج الانتخابية.
اقرا ايضا: بالأرقام: صدور النتائج النهائية لانتخابات بلدية صيدا

