في ذكرى بدء الحروب الاهلية اللبنانية(2): الاستقواء بالخارج

ان الانقسامات الداخلية اللبنانية والإصرار على اننا “شعوباً” لبنانية وكل منها يستقوي بطرف خارجي على خصمه الداخلي اوجدت القاعدة الاساسية للحروب الاهلية المتتالية، لكن هذه الانقسامات والنزاعات لم تكن العامل الحاسم بالحروب المسلحة بل كان العامل الخارجي هوالعامل المقرر في اندلاع النزاعات المسلحة الداخلية، فكانت الاطراف الخارجية الداعم والمقرر للحروب الداخلية بين مكون وآخر، كما كانت الراعي للنزاع حتى داخل المكون نفسه لايصال طرف ممسوك من جانبها لابقاء السيطرة والاستخدام للعامل الخارجي على الاطراف الداخلية. وهذا ما برز خلال الحروب الاهلية المسلحة.

الصراع العربي الاسرائيلي

ويمكن البدء  بنقاش العامل الخارجي في ضوء نتائج حرب حزيران  ١٩٦٧ والتي أظهرت عجز الانظمة العربية عن مواجهة العدو الإسرائيلي، وعجزها عن بناء دول وطنية واقتصار دورها على بناء سلطات متنازعة، هذا العجز البنيوي  أدى الى هزيمة حزيران ١٩٦٧ والى احتلال كامل الاراضي الفلسطينية بالإضافة الى اراض مصرية وسورية.

بعدها انطلق الكفاح الفلسطيني المسلح من خارج الاراضي المحتلة ليحدد أهدافه بتحرير فلسطين، وبدأت العمليات العسكرية ضد الاحتلال الاسرائيلي انطلاقا من الاردن  وسورية.

  وفي ٢١ اذار / مارس ١٩٦٨، وقعت معركة الكرامة والتي تكبدت فيها إسرائيل خسائر فادحة، ما دفعها وحليفها الاميركي الى وضع خطة بديلة تقوم على استخدام الانقسامات العامودية في كل كيان محيط بالاراضي الفلسطينية المحتلة لانهاء الوجود الفلسطيني المسلح، وهذه الخطة نفسها التي جرى تطويرها وصولاً الى حرب الابادة التي تجري حالياً في الاراضي الفلسطينية المحتلة، فحدثت حوادث أيلول ١٩٧٠، بين العشائر الاردنية والنظام الملكي من جهة وبين المسلحين الفلسطينيين من جهة اخرى، وانتهت في عجلون عام ١٩٧١، بانهاء الوجود الفلسطيني المسلح في الاردن الذي شكل خطراً فعلياً على إسرائيل ومن بعد ذلك التوصل الى اتفاقية سلام بين الاردن والكيان الصهيوني.

وفي سورية استخدم الطرف الأميركي حالة النزاع بين اطراف السلطة، ودعم أحدها مشترطاً إنهاء الوجود الفلسطيني المسلح، وانتهى الانقلاب في نهاية   عام ١٩٧٠ بالامساك بالبندقية الفلسطينية في سورية لاستخدامها وفق سياسة النظام الذي كان يسعى للعب دور إقليمي جرى تجربته في الكيان اللبناني.

العصب المسيحي والوجود الفلسطيني

اما في لبنان وهنا بيت القصيد، فقد جرى تجييش العصب المسيحي بحجة ان الوجود الفلسطيني المسلح يسعى لإقامة وطن بديل له في لبنان، وأن هناك خطراً داهماً على الوجود المسيحي، وبالتالي على القوى المسيحية العمل من اجل استقلال لبنان وسيادته وساعدت، في هذا الاتجاه، التجاوزات التي ارتكبتها الفصائل الفلسطينية والفوضى التي عمت البلاد، وقد حاولت هذه الاطراف اللبنانية  بتوجيه من الخارج استخدام كل الخطب السياسية لإظهار ان الخطر الرئيس على لبنان يأتي من الوجود الفلسطيني المسلح،  وجرت محاولات للوقوف بوجه الوجود الفلسطيني المسلح من قبل القوى العسكرية الرسمية عام ١٩٧٣، لكن المحاولات باءت بالفشل، فلم يعد امام العامل الخارجي سوى تعميق الانقسام العامودي، وخصوصاً ان اليسار اللبناني كان يرى من واجبه الدفاع عن الفلسطينيين بكل الوسائل من دون أن يأخذ بعين الاعتبار بنية المجتمع اللبناني وانقساماته الطائفية، كما افترض ان القوة الفلسطينية ستكون شريكة له في عملية التغيير المرجوة.

لذلك وقع الداخل اللبناني بين شاقوفين، الاول يرى ان المحافظة على الكيان لبنان وفق النظام الطائفي يعني إنهاء الوجود الفلسطيني، والثاني نظر الى لبنان كمساحة جغرافية يستخدمها الفلسطيني في نضاله المسلح، وأن الحروب الاهلية يمكن ان تكون المعبر لعملية التغيير.

لم يعد امام العامل الخارجي سوى تعميق الانقسام العامودي، وخصوصاً ان اليسار اللبناني كان يرى من واجبه الدفاع عن الفلسطينيين بكل الوسائل من دون أن يأخذ بعين الاعتبار بنية المجتمع اللبناني وانقساماته الطائفية

لذلك بدأت الحرب الاهلية   المسلحة عام ١٩٧٥، والهدف الاساس منها إنهاء الوجود الفلسطيني المسلح على أيدي لبنانيين ، وتدافع عن هذا الوجود الفلسطيني المسلح ايدي لبنانية ايضاً.

اي ان العامل الخارجي، ما كان سينجح في خطته لولا اعتماده على الانقسام الطائفي الداخلي، وانغماس اليسار في الحرب الاهلية، ووقوفه الى جانب الإسلام السياسي الساعي لاستبدال المارونية السياسية بالاسلام السياسي.

لكن الصراع المسلح الداخلي وعلى الرغم من التدخل السوري الساعي للامساك بالبندقية الفلسطينية، لم ينه الوجود المسلح، فكان الاجتياح الاسرائيلي عام   ١٩٨٢، والذي تركز نجاحه في إنهاء الوجود الفلسطيني المسلح، وبالتالي ازال الخطر الفلسطيني الخارجي عن دولة الاحتلال الاسرائيلي.

ولم يكتف العامل الاسرائيلي بذلك فقد رعى حرب الجبل ودفع بمعارك شرق صيدا كي يكمل العملية الجراحية في الجسد اللبناني.

اقرا ايضا: في ذكرى بدء الحروب الاهلية اللبنانية (1): موسم جني الثمار

ان هذه القراءة السريعة لأسباب بدء الحروب الاهلية المسلحة تؤشر دوما الى اتجاه قراءة ما تلا الاجتياح الاسرائيلي للبنان وحروب داخلية اخرى، واستبدال زعامة  المارونية السياسية للنظام الطائفي بنظام المحاصصة، الذي انتقل الى نظام بزعامات طائفية اخرى، سنية ثم شيعية، لكن كل هذه التبدلات  ابقت على جوهر النظام الطائفي كناظم للحياة ومولد للنزاعات والحروب والنزاعات الاهلية الدورية، وبالتالي لا امكانية لبناء دولة لجميع مواطنيها دولة العدالة الاجتماعية في ظل النظام الطائفي الذي تتغير صيغه من زمن الى آخر من دون اي تغيير في علاقة المواطن اللبناني بدولته المفترضة.

ويبقى السؤال: كيف نتخلص من النظام الطائفي؟ وهذا للنقاش بين المهتمين.

السابق
عون يزور وزارة الدفاع ويلتقي منسى وقائد الجيش وأعضاء المجلس العسكري ومدير المخابرات
التالي
ترحيل عائلات 400 قيادي من «الحزب» إلى أميركا اللاتينية.. ما القصة؟