المحاصصة الحزبية وخراب لبنان

حارث سليمان
يخص الناشط السياسي والأكاديمي الدكتور حارث سليمان "جنوبية" بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع و منصاته الإلكترونية.

استعادة الدولة” هو شعار طالما ردّدته جهات سياسية ومرجعيات دينية مختلفة، خلال ازمنة متنوعة، وعلى مراحل متعددة، ففي مرحلة إنتفاضة الاستقلال في ١٤ إذار سنة ٢٠٠٥، التي اطلق تسميتها المرحوم حكمت العيد من قصر رفيق الحريري في قريطم، بعد اقل من ساعة من اعلان وفاة الشهيد، أطلقت بعد ذلك، حركة التجدد الديموقراطي، بقيادة نسيب لحود، شعار “العبور الى الدولة”، وتبنت اطراف حركة ١٤ آذار هذا الشعار بكل اطرافها واحزابها وشخصياتها لاحقا.

اليوم يسترجع العهد الجديد برئاسة رئيس الجمهورية جوزف عون ورئيس الحكومة القاضي نواف سلام مضامين هذا الشعار ورنين أصدائه، فيما تنطلق احزاب ومنابر وجمعيات مجتمع مدني لكي تتبنى بالفاظ وكلمات مختلفة مضمون “استعادة الدولة” او إعادة بنائها او بتعبيرات اكثر جاذبية وبريق “دولة المواطنة”. 

سردية الاحتلالات

وغني عن سردية الاحتلالات التي بدأتها الجبهة اللبنانية منذ بداية الحرب الاهلية وتصوير الصراع على انه تعاقب بائس من مواجهة الاحتلال الفلسطيني الى مواجهة الاحتلال السوري وصولا الى مواجهة الاحتلال الايراني، غني عن هذه السردية، التي لا نتبناها ولا نسلم بصحتها لاسباب واقعية وتاريخية، والتي تختصر كل الأزمات، وتضع الصراع القائم في لبنان موجها فقط ضد غريب شرير، وجب التخلص من سطوته لتستقيم امور البلاد والعباد، فيما يتم تبرئة معظم الاطراف اللبنانية من شرور الحرب واثام القتال والجرائم المرتكبة خلالها، لنستنتج بالفم الملآن انها كانت حروب الآخرين على ارضنا. ولنمضِ قدماً بتبسيط ساذج ان لبنان يحيا ويستمر طالما رحل الغرباء عن ارضه، او كفّت الدول عن التدخل في شؤونه الداخلية.

وللغرابة ان هذا المنطق التبسيطي لا تتبناه قوى اليمين في لبنان فقط، بل، و بشكل مقلوب، يعتمده محور المقاومة وما يدور في فلكها من احزاب يسارية او علمانية، فمواجهة العدو الاسرائيلي واطماعه ومخططاته واخطاره، هي الاجندة الرئيسية والاساسية لدى المحور، والصراعات والاختلافات الداخلية المحلية والاصطفاف السياسي لمختلف الافرقاء، هو، برأي جهابذة الممانعة، نتيجة عملية، ومباشرة لحجم عداء كل طرف سياسي لاسرائيل، ولمقدار تقييمه لخطرها، لذلك يسهل على الممانعين ان يتهموا كل من يعارضهم بتهمة العمالة، وان يشككوا بوطنية من يملك خيارا مستقلا عن خياراتهم.

لا اقلل من الاثر السلبي لاي نفوذ اجنبي او هيمنة خارجية، او وصاية اقليمية او دولية، على سيادة البلد وحياته السياسية والعامة، وعلى إقتصاده وقطاعاته الانتاجية، وما قد تسبب به من خسائر فادحة ومكلفة، ومن انتهاكات لحقوق الافراد والجماعات، ومن قهر وبطش وتهميش لاصحاب الراي والسياسة والثقافة والفن والابداع، لكن كل ذلك هل يؤدي الى تفكك دولته بحيث تحتاج لاعادة البناء؟ وهل تصبح دولته مسلوبة مغلوبة، يحتاج شعبها لاستعادتها؟!

لنستنتج بالفم الملآن انها كانت حروب الآخرين على ارضنا. ولنمضِ قدماً بتبسيط ساذج ان لبنان يحيا ويستمر طالما رحل الغرباء عن ارضه، او كفّت الدول عن التدخل في شؤونه الداخلية.

في التجارب العالمية المعاصرة تم احتلال المانيا من اربع دول متحالفة؛ اميركا، بريطانيا، فرنسا، والاتحاد السوفييتي، فهل انهارت هياكل الدولة الالمانية، في القسم الشرقي منها ام في القسم الغربي؟ خاضت مصر حروباً اربعة في وجه كيان العدو، هزمت في ثلاثة منها على الاقل، وخاضت حربا في اليمن وخسرتها ايضا، هل زُعزِعَ بنيان الدولة المصرية او بهتت صورتها؟

عانى الاردن منذ نشأته من تداعيات القضية الفلسطينية وحروبها، واحتلت اراضيه، فهل تشرذمت دولته، وتفككت هيكلياتها بسبب ذلك؟.

منذ قيام دولة الكيان الاسرائيلي خاضت اسرائيل حروبا لا حصر لها، وعاشت في منطقة تعاديها وترفضها وتحاصرها، فهل وهنت دولتها او تفككت؟ 

اذن لماذا تتفكك الدولة اللبنانيةعند كل منعطف اقليمي، ولماذا يسهل تعطيل اعمالها وشلّ مرافقها ومؤسساتها!؟ ولا يعاد تجميع معالمها الا بحهد اقليمي وعربي ودولي!؟

وجوابي على ذلك، ان ثمة في لبنان بنية سياسية اجتماعية، تحتوي ناديا لمنصات سلطوية متعددة، تستند الى عصبيات طائفية او اقطاعية او عائلية، وتدعي صدقاً او كذباً تمثيلها لطوائفها وتزعم الدفاع عن حقوق مفترضة لكل طائفة،  تسمح هذه المنصات وتستدعي وتشجع دول الخارج وأجهزته الامنية، على التدخل في لبنان، وتنفذ له ما يريد ويقصد، وتستقوي كل واحدة منها بخارج ما، على الاطراف السياسية الاخرى بالداخل، الاحزاب الطائفية هذه  التي تشكل منصات للتدخل الخارجي، هي في نفس الوقت منصات ايضا لاستباحة المجال العام واقتسام هيكليات الدولة ومؤسساتها واداراتها ومواقعها القيادية، ولاهدار حقوق المواطنين واستتباعهم قهراً وخوفاً وترغيباً، ولنهب عائدات الدولة والتربح من السلطة وممارسة كل أشكال الفساد. 

لذلك فان انجاز سيادة لبنان والدفاع عن حدوده في وجه اية جهة او عدو خارجي، لن يتحقق الا باستكمال هزيمة منصته الداخلية وتفكيك قوتها.

استعادة من قبضة من؟

ان شعار استعادة الدولة، على جمال اصدائه، لا معنى له الا اذا حدّد بوضوح وجلاء من يختطف هذه الدولة، ويمنعها من ان تكون دولة مواطنة تحمي حقوق الأفراد وتؤمن رغد عيشهم، والجواب ان من يسلب دولة المواطنة هو ” نادي المحاصصة للاحزاب الطائفية “، وهو نادٍ يتم فكّه وتركيبه حسب كل مرحلة، قد يدخل اليه متحاصص جديد تلقى رضى مستجد من طرف اقليمي، او يخرج منه طرف ضعُف او تخلى عنه راعيه الاقليمي، لكن هذا النادي له وظيفته واصول عمله وتناسق آلياته…

 إن استعادة الدولة شعار لا معنى له، الا اذا حددنا بوضوح وصراحة من قبضة من ستتم هذه الاستعادة!؟

يتردد في الحوارات السياسية و منابر الإعلام والصحافة تعبير دويلة حزب الله، وتنبري اقلام كثيرة لتصور التغيير المنشود هو مثابرة جادة لبناء الدولة اللبنانية على حساب دويلة حزب الله…

ان شعار استعادة الدولة، على جمال اصدائه، لا معنى له الا اذا حدّد بوضوح وجلاء من يختطف هذه الدولة، ويمنعها من ان تكون دولة مواطنة تحمي حقوق الأفراد وتؤمن رغد عيشهم

 قد يكون تقليص نفوذ حزب الله مفيداً في مرحلة ما بعد حرب الاسناد الكارثية وانهيار محور الممانعة بكامل مكوناته، لكن ذلك لن يكون ” عبوراً الى الدولة” الا بالاقتناع بحقيقتين؛ الاولى ان الرئيس بري هو رئيس دويلة حزب الله، هو حاميها ومنسق اعمالها ومدير مصالحها، وان تفكيك هذه الدويلة عبر الشراكة مع بري، لن يكون الاوهما واضاعة للوقت والامل…

الحقيقة الثانية ان تعديلا في حصص اطراف النادي واعادة تشكيل عضويته، والاستمرار في نهج المحاصصة الذي ادى الى خراب لبنان لن ينتج الا خراباً يتجدد. 

اقرأ أيضا: هل يمكن تجديد الحركة الوطنية الفلسطينية!؟

  الناس  تريد تغييرا يؤدي لبناء دولة المواطنة على اساس الكفاءة والخبرة والاستقلالية والولاء للجمهورية، لذلك المطلوب إنهاء المحاصصة، وليس إعادة تنظيم ناديها.

السابق
بالفيديو: إصابة مراسل «العربية» على الهواء في الهرمل
التالي
ابعاد خطيرة لاشتباكات الحدود..وجنبلاط في ذكرى والده: لا وصاية اسرائيلية على الدروز