توافق الحريّة والدين.. شرط لنهضة المسلمين!

السيد محمد حسن الامين
بين ايدينا مقال كتبه سماحة العلامة المفكر الاسلامي الراحل السيد محمد حسن الامين لصحيفة السفير منتصف تسعينات القرن الماضي، يتحدث فيه عن دور العبادات في الاسلام بتعزيز مفهوم الحرية، والمساهمة في النهضة الاسلامية التي من المفترض ان تقوم بعد تجديد الوعي الديني والثقافي.

السعة الظاهرة للاديان – كما رأتها النظريات والايديولوجيات البشرية الوضعية، هي انها لا تعترف بنسبة كبيرة من الحرية للكائن الانساني، وانها -الاديان ايضاً – عمدت الى هذا المقدار المحدود من الحرية الذي اعترفت به، فعملت على تقليصه ومصادرته لصالح قوة غيبية قاهرة لا تقاوم هي قوة الله وتجلياتها في القضاء والقدر.

لذا، كان ابرز ما يميّز فلسفات عصر النهضة في أوروبا، هي تلك الصرخة الداعية إلى تحرير الانسان باسترداد خياراته المصادرة معلنة (موت الله) على لسان الفيلسوف الالماني (نيتشه).

لم تكن تدرك هذه الصرخات المخلصة أحيانا أنها وهي تسترد حرية الانسان المصادرة من الله – الغيب، فإنها تلقي بهذه الحرية في ارتهان خطير، أي في قبضة الشروط البشرية والطغيان السلطوي، طغيان الانظمة وضروراتها، وطغيان الضعف البشري نفسه.

في أواخر القرن العشرين، نحن ورثنا كل هذا الصخب الفكري الفلسفي والاجتماعي والسيل الغامر من الفنون الذي انتجته القرون المتاخرة، وخاصة منها القرن التاسع عشر، حيث الانقلابات النوعية في الفكر والتصور وكل مجالات الحياة، قد نكون أكثر من كل الأجيال التي سبقتنا قدرة على التحرر من الانهيار الطبيعي الذي سلب كثيرا من الاجيال السابقة القدرة على التماسك والتحليل والمراجعة، فاستسلمت لهذه الرؤى الجديدة تجاه الكون والانسان والدين والمجتمع والحياة كما تجلت في القرون المذكورة.

 لماذا نحن أقدر على التحرر؟

1- أولاً.. لأن الضوء الباهر لهذه الرؤى والنظريات وتجلياتها، مال إلى الاصفرار ولم يعد باهرا، وشرطك للتحلّي باتزان وهدوء، هو الّا تكون مبهورا.

2- لأن أزمات عالمنا المعاصر، وهي بالضرورة ثمرة لهذه الرؤى، أصبحت من التعقيد وانحسار الشرط الإنساني بدرجة تحتم المراجعة المذكورة.

3- ثالثاً وهذا هو الاهم في موضوعنا، مآل الحرية كما انتهت اليه بعد مصادرتها من الله وتسليمها للبشر.

فالحضارة ومنجزاتها التنظيمية والتقنية والسياسية، وقواعد السلوك المتحكم بعالمنا المعاصر هي النتيجة الطبيعية لصرخة الحرية، بالمعنى (الفاوستي) والبنتشوي المشار اليه.

الإنسان طالب الله بأن يرد له حريته واستردّ الانسان هذه الحرية، ولنقل انتزعها !!

في الإسلام يتجسد المدى غير المحدود لحرية الإنسان، أي ان لا حدود للحرية الا المطلق، وتتجسد – ايضا – مسؤولية الإنسان عن هذا المقدار العظيم من الحرية في قرار خلافة الانسان على الارض

وما دامت الحرية هي الوجه الآخر للمسؤولية، إذن فالإنسان لم يعد مسؤولا امام احد، وأصبح هو وحده الذي يتحمل نتائج مسؤوليته، ولم يعد لديه اي رصيد من الإمداد الغيبي الذي انقطعت صلته به، ان اصدق تعبير عن هذا الانقطاع الانساني المخيف في هذا الكون، عبرت عنه آخر الفلسفات الغربية في عصرنا – اعني الفلسفات التي كانت تعالج مشكلة الانسان والحرية والمصير- وهي الفلسفة الوجودية، حين اعتبرت ان الانسان ألقي في هذا الكون وحيدا وامام مصيره، الذي يتحتم عليه أن يصنعه وحده ويتحمل مسؤوليته وحده، فارتبطت الحرية وفق هذه الفلسفة بقدر من الضياع والقلق والغثيان ورعب المصير.

ثم انشغلت الفلسفات الجديدة التالية للوجودية ذات المنحى الاقتصادي والاجتماعي، بمحاولة توزيع المقدار الذي استرده الانسان من الحرية عبر تمرده على الخالق، انشغلت بتوزيعه على مؤسسات السياسة والسلطة والانتاج وجملة القوانين التي تحكم مسيرة التاريخ، واخيرا وفق فلسفة فرنسيس فوكوياما المبشرة بنهاية التاريخ، وأعطيت الحصة الأكبر من هذه الحرية لاقتصاد السوق!

نعود إلى ما افترضناه بداية، بعد هذا الاستطراد الضروري لبيان مآل الحرية حين استردها الانسان من الله، قلنا أن المظاهر المباشرة للعبادات والطقوس والقوانين والنظريات الكاملة والجزئية في الكون والانسان والمجتمع هناك، وراؤها خلافا على كمية الحرية لدى الكائن البشري.

نسبة الحريّة

قلنا ان ثمة خلافا آخر، هو الخلاف على نسبة الحرية من حيث قدرة الإنسان على التصرف بها.

هذا المقدار العظيم من الحرية في قرار خلافة الانسان على الارض، اي ان قدرة الإنسان على التصرف بهذه الحرية هي ايضا بدون حدود، لدرجة أنها أهلت الانسان للقيام بمقام الخليفة الله على الأرض

ما اريد قوله بهذا الشأن هو ان الاديان السماوية، خلافا لكل الفلسفات والنظريات الوضعية التي أشرنا لبعضها، تصرفت بناء على أن نسبة الحرية في الكائن البشري ليست كبيرة فحسب، بل واكبر مما نظرت اليها الفلسفات والنظريات الوضعية، وأكدت على انها بلا حدود، لا يحدها سوى المطلق الذي هو الله، ومن هنا كانت حتمية صلة الحرية بالله نفسه، ومن هنا ايضا كان استرداد الحرية من الله انكفاء رهيبا وسقوطا في عبادة النسبي.

أن أكمل شكل للاديان السماوية هو الاسلام، لانه يتضمنها ويضيف اليها، ويعلن رشد الانسان ومسؤولية المعبر عنه بانقطاع الوحي، وفق عقيدة الاسلام .

في الإسلام – في عقيدته – يتجسد المدى غير المحدود لحرية الإنسان – لا اله الا الله -، أي ان لا حدود للحرية الا المطلق، وتتجسد – ايضا – مسؤولية الإنسان عن هذا المقدار العظيم من الحرية في قرار خلافة الانسان على الارض، اي ان قدرة الإنسان على التصرف بهذه الحرية هي ايضا بدون حدود، لدرجة أنها أهلت الانسان للقيام بمقام الخليفة الله على الأرض.

على أن الانجاز البشري لتجسيد هذه الحرية – وفق فلسفة الإسلام – لا بد أن يمتد صعودا على امتداد التاريخ، اي امتداد رحلة المسيرة الانسانية، وبالتالي وحسب فلسفة الإسلام ذاتها – فان المسيرة الإنسانية ليست في جوهرها سوى اشواط صاعدة وهابطة ومتعرجة، ولكنها دائما باتجاه الحرية (يا أيها الإنسان انك كادح إلى ربك كدها فملاقيه)، اي باتجاه انجاز دائرتها النهائية التي تتجلى في “ملاقاة الله” وفق منطوق الآية الكريمة.

حتمية النهضة

ما في عبادة الصوم وعلاقتها بالمقاومة والحرية لا تبدو عبادة الصوم – وفق نهج الإسلام – سوى شكل من اشكال تصعيد الحرية في الكائن الانساني، دون هذا المعنى لعبادة الصوم لا يعود لهذه العبادة أي معنى حقيقي.

ولكن السؤال هنا: ما هو مجال الحرية الذي ترتكز عليه هذه العبادة، وهذا السؤال ضروري لان كل العبادات تسعى بالانسان الى امتلاك الحرية. ولكن لكل واحدة من هذه العبادات مجالها الخاص الذي يحقق هذه الحرية.

فالتاريخ الإسلامي في عصوره المتأخرة منذ منتصف العصر العباسي تقريبا لم يعد على صلة بهذا المفهوم الإسلامي المتقدم للحرية وظهرت تجليات الانكفاء وغياب عنصر الحرية في الحياة والنظم الإسلامية والمجتمع والفكر والمعرفة وعلى كل الصعد.

 قد تبدو هذه المقولة خطيرة ولكنني أؤمن بها واتبناها، وعليها اقيّم وجهة نظري في قراءة مراحل الانحدار في تاريخنا، وعلى هذا الافتراض بالذات ارى انه يتحتم على نظرية النهوض الشاملة ان تقوم ايضا.

ان مشروع نهوضنا امام قدر واحد، هو استرداد هذه الحرية المفقودة، استردادها كما هي في النسيج العضوي العقيدتنا الإسلامية، الذي انقطع تاريخيا وفي وقت مبكر من مسيرتنا الإسلامية، وعجزنا عن استرداده من مصادر الحضارة الغربية التي اختلفت مع الله واعلنت موته.

المقاومة مظهر من مظاهر الحرية المفقودة في تاريخنا الإسلامي وفي تاريخنا المعاصر،أهمية المقاومة ليس في انجازاتها التاريخية الميدانية أهميتها في الفرصة التي توفرها لمشروع النهوض العربي الإسلامي في اكتشاف عنصر الحرية من جديد، ليصار الى تأكيده وترسيخه وتوسيعه، واشتقاق الحلول المستحيلة منه، واعادة النظر في نظمنا السياسية والاجتماعية والانمائية على ضوئه، وكذلك نقد مفاهيمنا وثقافتنا وتوفير فرص الإبداع لها انطلاقا منه.

السابق
إعفاء المتضررين جراء الحرب من الضرائب.. ما هي أبرز مقررات جلسة مجلس الوزراء؟
التالي
قتل زوجته وموكلته ومنع تحلل جثمانيهنّ.. قضية محامٍ سفّاح تهزّ الوسط القضائي!