بالأمسِ، شيَّعَ “حزبُ الله” أمينَيْه العامَّيْن في مشهدٍ كان طبيعيًّا بقَدْرِ ما كان غيرَ عاديٍّ. وبالرَّغمِ من أنَّه مُعَدٌّ لـ «سيِّدَيْن»، كانَ التَّشييعُ يومَ أمسٍ لرجلٍ واحدٍ فقط؛ السَّيِّدَ حسن نصر الله. وطبيعيٌّ أيضًا أن يحضرَ السَّيِّد نصر الله في تشييع غيرِه، كما هو الحال في التشييع الحاشد للسَّيِّد هاشم صفي الدِّين اليوم، بينما لا يحضرُ أحدٌ في تشييع «السَّيِّد» إلا «السَّيِّد» نفسه.
ممَّا لا شكَّ فيه أنَّ التشييع كان مُثيرًا للجدلِ والإنقسام، تمامًا كما كانت شخصيَّة «السَّيِّد» التي لا تجوزُ مُقاربتُها من مُنطلقِ الحُب تمامًا كما لا تجوزُ من مُنطلق الكُره، إذ أنَّ التَّعاطي مع الشخصيَّات العامَّة والقضايا السِّياسيَّة، بغضِّ النَّظر عن هذه الشخصيَّات وعن هذه القضايا، لا يجب أن يُبنى على ثنائيَّة الحُب والكُره. من هُنا، إنَّ غيابَ السَّيِّد نصر الله عن المشهد السِّياسي اللُّبناني تركَ وسيتركُ فراغًا ليس عندَ أنصارِه وحسب، بل عند كثيرٍ من مُعارضيه الذين كانوا يتحرَّكونَ انطلاقًا من مُعارضتهم بدلَ أنَّ تأتي مُعارضتُهم نتيجةَ حركتهم. ومن هُنا أيضًا، إنَّ “خسارة” السَّيِّد نصر الله لا تَعني أحدًا سوى حزبِ الله وأنصارِه وهذه الفئة من مُعارضيه.
كان التَّشييعُ طبيعيًّا من حيثُ حجم الحضور الشعبي الكبير، نسبيًا، والذي قُدِّرَ بمئات الآلاف بحسب مصادر كثيرة، في مُقابل حضور رسمي خافتْ مُقارنةً بتاريخ السَّيِّد نصر الله الذي تجاوزَ فيه الجُغرافيا أربعَ مرَّات؛ الأولى حين تجاوزَ الجُغرافيا الجنوبيَّة إلى الجُغرافيا الشِّيعيَّة اللُّبنانيَّة بعدَ العام 2000، الثَّانية حين تجاوزَ الجُغرافيا الشِّيعيَّة اللُّبنانيَّة إلى كل لبنان بعدَ العام 2005، الثَّانية حين تجاوزَ الجغرافيا الشِّيعيَّة اللُّبنانيَّة إلى الجغرافيا العربيَّة والإسلاميَّة بعدَ العام 2006 والرَّابعة حينَ تجاوزَ الجُغرافيا اللُّبنانيَّة عائدًا إلى جغرافيا «الشَّرق الأوسط» و«صراع الكبار» بعد العام 2011 على الأقل. ولعلَّ هذا يؤكِّدُ حقيقةَ أنَّه كان زعيمًا شعبيًّا أكثر منه قائدًا سياسيًّا. أو بالأحرى، إنَّ هذا التَّفاوتَ بينَ الحضورَيْن الرَّسمي والشَّعبي نتيجةٌ لأداءِ السَّيِّد نصر الله من موقعه كزعيمٍ شعبيٍّ ومن موقعِه أيضًا كقائدٍ سياسيٍّ أفقدَه التزامُه بالحسابات السِّياسيَّةِ الكثيرَ من رصيدِه عندَ الشُّعوبِ العربيَّة والإسلاميَّة وحكوماتِها، وأيضًا عندَ الكثير من فئات الشَّعب اللُّبناني ومكوِّناتِه.
بعيدًا عن حرب الأرقام التي اندلعت بين أنصار الحزب وخصومِه، وأمام مهرجانٍ شعبيٍّ بهذا الحجم أثبتَ “حزبُ الله” قدرةً تحشيديَّة وتنظيميَّةً كبيرةً ومُلفتةً بعدَ حجم الخسائر الهائلة التي مُنيَ بها في حربِه الأخيرة. بيدَ أنَّ هذا لا يَنفي أنَّ الحضورَ الكبير بالأمس كان من أجل «السَّيِّد» أكثرَ منه من أجل حزب الله. ورغمَ ما سيَعمدُ إليه “حزب الله” الجديد من استثمار هذا الحضور لتأكيد شرعيتِه السِّياسيَّةِ ومشروعيَّة استمرارِه في الحياة السِّياسيَّة اللُّبنانيَّة مُمثِّلًا لجزءٍ من الشِّيعةِ بوصفِهم مكوِّنًا من مكوِّنات النظام الطائفي اللُّبناني؛ رغمَ ذلكَ فإنَّ أنصارَ الحزبِ بالأمسِ، كانوا في مكانٍ مُختلفٍ تمامًا عمَّا كان فيه الحزبُ من جهة وعمَّا كان فيه بعضُ خصومِه من جهة ثانية. فالنَّاسُ بالأمسِ ذهبتْ لوداعٍ أخيرٍ لهذه الشخصيَّةِ التي كانتْ دائمًا باعثًا على الاطمئنان لدى أنصارها بغضِّ النَّظر عن حجم الخسائر لأنَّهم كانوا يُصدِّقونها تصديقًا مُطلقًا. حتى أنَّ عبارة «السَّيِّد هو خسارتنا الوحيدة في هذه الحرب»، تدلُّ دلالةً كبيرة على حجم العلاقة التي كانت تربط هؤلاء النَّاس بالسَّيِّد نصر الله، إلى درجة أنَّ الكثير قد يتركون “حزب الله” لكنَّهم لا يتركون «السَّيِّد». هذه العلاقة بين السَّيِّد نصر الله وجمهورِه لا يستطيعُ الكثير من خصوم حزب الله فهمَها، ليسَ لأنَّها عصيَّةٌ على الفَهم، بل لأنَّهم لا يعيشونَ مع هذه «البيئة»، ولا يحتكُّون معها نتيجةَ “البلوك” المُتبادل بينهم وبينها؛ فلا هي تتحاور معهم ولا هم يتحاورون معها.
لا ينظرُ جمهورُ “حزب الله”، عمومًا، إلى السَّيِّد نصر الله كقائدٍ أو زعيمٍ استثنائيٍّ وحسب، بل تربطهُم به علاقةٌ روحيَّةٌ وأبويَّةٌ في مكانٍ ما. وقد شاعَتْ بعدَ اغتيال السَّيِّد نصر الله، وفي عشيَّةِ التَّشييع بشكلٍ خاص، مُناداتُه بـ «أبانا» وشاعتْ بين أنصارِه أيضًا، معاني “اليُتم” لوصفِ حالتِهم بعدَ اغتيالِه. هذه العلاقةُ مكَّنتْ السَّيِّد نصر الله، طيلةَ عقدَيْن، من تسويغ براغماتية “حزب الله” لدى جمهورِه مهما كان حجمُ التَّنازلِ الذي يُقدِّمهُ الحزبُ.
إنَّ ما يحتاجُ «الشَّيخ نعيم» عشرات الخطابات لتثبيتِه لدى النَّاس، كان «السَّيِّد» يُثبِّتُه في مقطعٍ طويلٍ من خطابٍ واحد
كان يستطيعُ تسويغَ هذه البراغماتية في الوقتِ نفسِه الذي يُسوِّغُ ويُثبِّتُ فيه البُعدَ العقائديَّ لدى الجمهور نفسِه. في حين أنَّ الشَّيخ نعيم قاسم مثلًا، لا مُبالغةَ إذا قيلَ أنَّه يقومُ بمفعولٍ عكسيٍّ لما كان يقومُ به السَّيِّد نصر الله، لكن في الحدِّ الأدنى لا يستطيعُ «الشَّيخ نعيم» أن يُثبِّتَ الجانب العقائدي لدى الجمهور، ولا يجرؤ على مُحاولة تسويغ براغماتية “حزب الله” دُفعةً واحدةً. بعبارةٍ أُخرى إنَّ ما يحتاجُ «الشَّيخ نعيم» عشرات الخطابات لتثبيتِه لدى النَّاس، كان «السَّيِّد» يُثبِّتُه في مقطعٍ طويلٍ من خطابٍ واحد. والجديرُ بالذِّكرِ أنَّ الحديثَ هُنا ليس عن الإثبات وإنَّما عن التَّثبيت.
وهذا يعودُ إلى أنَّ السَّيِّد نصر الله تحوَّلَ، لدى جمهورِه طبعًا، من زعيمٍ استثنائيٍّ إلى قيمةٍ أخلاقيَّةٍ لا يُمكنُ مناقشتُها فضلًا عن نقدِها أو المسِّ بها. وهذا التَّحوُّل قد عملَ حزبُ الله عليه طويلًا، وساعدَتْ عليه الظُّروفُ الموضوعيَّةُ من جهة، والسِّماتِ الشَّخصيَّة لدى السَّيِّد نصر الله من جهةٍ أخرى. وقد استخدمَ السَّيِّد نصر الله هذه النَّظرة بشكلٍ غير مباشرٍ ومباشرٍ أحيانًا, كما فعلَ حينَ تمَّ إطلاق سراح العميل عامر الفاخوري، حيثُ قال ردًّا على اتهامِ الحزب بعقد صفقة مع الأميركيين، وبعدَ أن وضعَ يدَه على لحيتِه، ما نصُّه: «بعد هالشيبة أنا بدي إطلع ع التلفزيون لحتى دافع عن حزب الله بموضوع عميل إسرائيلي مجرم؟ (…) هيدا من نكد الدهر».
السَّيِّد نصر الله تحوَّلَ، لدى جمهورِه طبعًا، من زعيمٍ استثنائيٍّ إلى قيمةٍ أخلاقيَّةٍ لا يُمكنُ مناقشتُها فضلًا عن نقدِها أو المسِّ بها
أمَّا بعدَ تشييعِه بالأمسِ، فسيتحوَّلُ السَّيِّد نصر الله لدى أنصارِه ومُحبِّيه، من قيمةٍ أخلاقيَّةٍ إلى أسطورةٍ ومِثال. إذ بالأمسِ، وبالأمسِ فقط، اكتملتْ عناصرُ الأسطرةِ في الذِّهنيَّةِ الشِّيعيَّةِ، التي خلقَها “حزب الله”، طيلةَ أربعةِ عقودٍ من الزَّمن؛ الغيابَ. فالبناء العقائدي للشِّيعيَّةِ السِّياسيَّةِ يقومُ على حادثتَيْن؛ كربلاء والمهديِّ في غيابِه وظهورِه المُفترضَيْن، أي على التَّضحية والارتباط بكيانٍ غائبٍ يرتبطُ بدورِه بنسلِ الإمام عليٍّ بن أبي طالب. وقد تحقَّقَ هذان الشَّرطان في السَّيِّد نصر الله مرَّتَيْن؛ الأولى في فترة حياتِه حيثُ تحقَّقتْ التَّضحيةُ في ابنِه هادي، وتحقَّق الغيابُ فيه إذ كان يمتنِعُ عن الحضورِ بين النَّاس لأسبابٍ يُبرِّرُها “حزبُ الله” بالدَّواعي الأمنية. ويُمكن تلمُّسُ هذا في حجم الضَّجَّة الإعلاميَّة والشَّعبيَّة التي كان يأخذُها حضور السَّيِّد نصر الله بين النَّاس في بعض المُناسبات، بخاصَّةٍ في مُناسبةِ العاشر من مُحرَّم. أمَّا بعدَ اغتيالِه وتشييعه فقد تحقَّقَ الشَّرطان في شخصِ «السَّيِّد» نفسِه. وقد ظهرَتِ القفزةُ في هذا التحوُّلِ إلى أسطورةٍ من خلال الأجواء التي كانت ليلةَ التَّشييع ويومَه وهو ما كان غيرَ عاديٍّ في التَّشييع. والمسألةُ لا تتعلَّقُ بأن يكونَ التَّشييعُ أطولَ تشييعٍ في تاريخ لُبنان الحديث، إذ امتدَّ عمليًا لأكثر من يومٍ كاملٍ، بل تتعلَّقُ بدلالات هذا التَّشييع، وحجم الإسقاطات التَّاريخيَّة التي حدثتْ.
الغارات «الإسرائيلية» يومَ التَّشييع وأثناءَه ومرورَ طائراتِ العدو «الإسرائيلي» فوقَ الجنازة ستُمثِّلُ، في لاوعي المُشيِّعين، صورةَ قتلةِ الحُسين وهُمْ يُمثِّلونَ بجسدِه ويعتدونَ على «موكب السَّبايا»
بعدَ اغتيالِه في حربٍ لم تكن حربًا وحسبُ، بل كانتْ مَقْتَلَةً مَهولةً، وفي ليلةِ التَّشييع احتشدَت جموعٌ كبيرة أمام مكان اغتيالِه في حارة حريك، مُتَّشحةٌ بالسَّواد وحاملةً رايات الحِداد والعزاء على وقعِ أصواتِ البُكاء والرِّثاء، وظُهرَ اليوم التالي تمَّ دفنُه بعدَ تشييعٍ دام قرابةَ خمسِ ساعاتٍ، منذُ لحظةِ إدخال النَّعش إلى مكان التأبين. وقد انتشرت ليلةَ التَّشييعِ مرثيَّة «يا ليل طوِّل ساعاتَك» التي تربَّى الجيلُ الجديدُ من جمهور “حزب الله” عليها، وهي مرثيَّةٌ تحظى بانتشارٍ لعلَّه الأوسعُ بين ما يُتلى في مجالس العزاء، وهي تحاكي حال السَّيِّدة زينب، ابنةُ الإمام علي، في الليلةِ الأخيرة لها في كربلاء. بعبارةٍ أُخرى؛ لقد كان التَّشييعُ إسقاطًا لحادثةِ كربلاء على شخص السَّيِّد نصر الله، وإعادة تمثيلٍ لهذه الواقعة. حتَّى أنَّ الغارات «الإسرائيلية» يومَ التَّشييع وأثناءَه ومرورَ طائراتِ العدو «الإسرائيلي» فوقَ الجنازة ستُمثِّلُ، في لاوعي المُشيِّعين، صورةَ قتلةِ الحُسين وهُمْ يُمثِّلونَ بجسدِه ويعتدونَ على «موكب السَّبايا». وكذلك حالات الاحتفال باغتيال «السَّيِّد»، بخاصَّةٍ في سوريا، منذُ إعلانه إلى يومِ تشييعِه ستُمثِّلُ في ذهنِ الكثير من أنصارِ حزب الله شماتةَ «بني أميَّة» بقتلِ الحُسين، خصوصًا أنَّ سرديَّةَ حزب الله منذ نشأتِه عمومًا وعندَ تبرير مشاركتِه في الحرب السوُّريَّة تحتَ شعار «لن تُسبى زينب مرَّتين» قد قدَّمتْ السُّنَّة بصورةِ أتباعِ «بني أميَّة»، أو ساهمتْ بشكلٍ أساسيٍّ في ذلك. وقد اختصرَ أحدُ المُشيِّعين هذا الإسقاطِ التَّاريخيِّ، حينَ قال ما مفادُه أنَّ عاشوراء كانت عشرةَ أيَّام وصارتْ أحدَ عشر يومًا. وقد ظهرَ أيضًا في الكثير من الندبيَّات والمرثيَّات، التي رُدِّدَتْ خلال التَّشييع وقدَّمتْ السَّيِّد نصر الله، ليس على أنَّه «ابنُ الحُسين» وحسب، بل قدَّمتْه على أنَّه الحُسين نفسُه.
لقد ماتَ «السَّيِّد» عامَ 2011، ومات حسن نصر الله عام 2024
بعيدًا عن كَوْنِ هذه الصُّورة عفويَّة أو مُنظَّمة؛ وبعيدًا عن عدم مشروعيَّة هذا الإسقاط؛ وبعيدًا عن أنَّه كانَ مُمكنًا لكُلِّ هذا الموتِ الذي رافقَ السَّيِّد نصر الله ألَّا يكونَ؛ يبقى أنَّ “حزب الله” قد نجحَ حيثُ كان يُفترض به أن يفشلَ تمامًا، كما فشلَ حيثُ كان يُفترضُ به أن ينجحَ؛ ويبقى أنَّ الشِّيعيَّةَ السِّياسيَّةَ قد شيَّعتْ نفسَها بالأمس، أو بالأحرى شيَّعتْ رمزَ النَّزعةِ الأُمميَّةِ فيها. هو الذي أقنعَها بإمكانيَّة قيامِها بتغيير العالَم ومسار التَّاريخ فضلًا عن تحرير فلسطين. شيَّعتْ شخصيَّةً لن تتكرَّرَ في تاريخ الشِّيعيَّةِ السِّياسيَّةِ، ولا يجب أنْ تتكرَّرَ. وعلى ذمَّةِ أحدِهم؛ لقد ماتَ «السَّيِّد» عامَ 2011، ومات حسن نصر الله عام 2024. أيًّا كان الذي ماتَ قبلَ الآخر، لقد دُفِنَ الإثنانُ بالأمسِ. والصفحاتُ التي كُتبتْ بالدَّم طُويتْ بالدَّمِ أيضًا!

