تكريما لذكرى لقمان سليم الذي اغتالته القوى الظلامية قبل اربعة اعوام، وبمبادرة من العائلة والاصدقاء، التأم جمع منهم مساء الثلاثاء، في مكتب “جنوبية” في بيروت، فعقدت حلقة نقاش حول تجربته ودوره بعنوان “رباعية لبنان لا لقمان”، تضمنت شهادات من الاصدقاء والرفاق المساهمين بالحراك المدني ثم السياسي لاحقا، الذي اتسم بالاعتراض الشيعي.
حضر اللقاء الى جانب شقيقة لقمان رشا الامير التي مثلت العائلة، و رئيس تحرير “جنوبية” الصحافي على الأمين، نخبة من الناشطين الراغبين بالاطلاع على سيرة لقمان ومسيرته، الى جانب الاصدقاء المنظمين للقاء منهم، الدكتور بلال علامة، الناشط رمزي ابو خالد، مصطفى يموت، جاد الأخوي، الدكتور حارث سليمان، الدكتور مجيد مطر، العميد الدكتور محمد سبيتي، الناشط السياسي مالك مروة، محمد ديب عثمان، الناشطة السياسية لينا حمدان، عباس هدلا، علي أشمر، الصحافي اسماعيل فقيه.
افتتح جلسة النقاش الأمين، فقال: أننا نجتمع حول ذكرى لقمان سليم، فهو بقي حاضر في كل الأمكنة. وأنا شخصياً تحضرني شخصية لقمان خلال مجالستنا، لغته، فصاحته، اهتمامه بالتفاصيل وتسجيلها، ومثابرته وقوته. فقد كان معيار الشجاعة لدى المعارضين، وكنا نشعر انه كان بمثابة الحصن الذي كنا نقف خلفه، وكان هو المعيار لدينا، فطالما لقمان بخير ويقول ما يقول فاننا حكما بأمان”.

وأضاف: لذلك عندما تم اغتياله شعرنا بالارباك، ولكنه ايضا قدّم الامثولة النموذجية عن التضحية في سبيل القضية العادلة، فقد كان متقدما دائما على مستوى الجرأة والرأي والنشاط، ومن هنا نقول ان من قتله كان خبيثا، لانه يدرك انه يقتل عنصرا حيويا وركنا اساسيا لمسار تغييري جدي وحقيقي خصوصا في بيئتنا الشيعية”.
حارث سليمان
ثم تحدث الدكتور حارث سليمان فقال: كان هاجس لقمان البحث عن الحقيقة بعناد كبير، فقد سعى لقمان إلى التمكين بكافة وجوهه، المرأة، العمال في الأرياف، تأهيل السجناء، كي يمكن لأفراد المجتمع أن يكونوا خارج القطيع، لذلك كان نشاطه تحت السياسة ولكنه لم يسلم من كاتم الصوت، كان لقمان أيضاً يريد التوثيق، وخصوصاً الجرائم والارتكابات التي كانت تستهدف الإنسان، دون الاهتمام بالانتماء السياسي والعرقي للضحايا”.

وتابع: لذلك اهتم بكل ضحايا بالمجازر، صبرا وشاتيلا، والنظام السوري، والعنف ضد المرأة، والاغتيالات، وكل من سقط وتأذى نتيجة العنف.كان يجمع تاريخنا من قطع صغيرة ليجتمع لوحة متكاملة، لذلك أعاد رسم ماضينا بإيجابياته وسلبياته”.
واستذكر سليمان انه “عندما حصل على أرشيف استديو بعلبك جعل منه في معرضا في “الهنغار” وكان عملا فنيا رائعاً. اضافة الى ان قلمه كان قلمه نابضاً وجميلاً، لأنه كان مثالياً يريد الكمال بالشكل والمضمون، ويعتقد أن كل ممنوع بهي حتى يُنشر ويُعلم، فاخترق حاجز الممنوعات”.
ولفت الى ان لقمان “ذهب إلى تفكيك نظام المصالح، وهو معقّد ينفتح على أبواب محلية وإقليمية، ولكنه كان برأيه ضرورياً من أجل تفكيك عقلية القطيع”.
وأكد ان “من قتل لقمان ليس العقل الظلامي، فهو لا يدرك كيف كان يعمل، ولكن من قتل لقمان هو العقل الخبيث الذي يدرك خطورة ما يقوم به لقمان من توعية”، ففي أحد المرات قلت لسمير قصير “سيقتلوك” فضحك وقال: ليقتلوني. نفس ردة الفعل بادرني بها لقمان عندما قلت له سيقتلوك، فقد كان لقمان عارياً كالحقيقة، وهو ذهب مختاراً إلى حتفه عندما ذهب الى الجنوب بعد سلسلة من التهديدات والهجوم على منزله من قبل القوى الظلامية المعروفة”.
مجيد مطر
اختار الدكتور مجيد مطر ان يؤبن صديقه لقمان بكلمة، جاء فيها”: قبل سنوات اربع، إستهدفت رصاصاتٌ غادرة، رأس لقمان سليم. حملت تلك الرصاصات دلالاتها الظلامية، باستهدافها المباشر لجمجمته. الرصاصات أخبرت ما يضمره القاتل من كره لحرية التفكير، القادرة على تكريس حرية المجتمع وتحريره”.
مروة: لقمان اهتم بالسجون في لبنان وعمل على جلب اطباء نفسيين للمسجونين لتحسين وضعهم النفسي، ثم عمل على ابراز قضايا شائكة كقضية المفقودين في الحرب
وقال”: الرصاص والتفكير ضدان لا يلتقيان. إنّه المحتوى الدلالي للتسلط الذي يشي بخوف وجودي من الأفكار الحرة، ومن قائلها أو كاتبها. هذا ما نجده بكلام القاضي في عهد موسوليني عندما حكم على انطونيو غرامشي بالسجن المؤبد: «كي نوقف هذا العقل عن التفكير”.

ولفت الى ان “لقمان المقتول غيلة، كان صاحب مفردة لغوية غزيرة، يحكي كما يكتب. شديد الاهتمام باللغة، لدرجة أنّ كلّ ما ينتجه من كتب وتقارير، ممنوع أن يصدر بلا تشكيلٍ للنصّ، كلمة بكلمة، حرف بحرف. غالباً ما كان يقوم هو نفسه بهذه المهمة الصعبة والمملة. فمدلول الكلمة عنده لا يكتسب أهميته بلا تناسق الشكل والمضمون”.
وذكر ان “لقمان أطلق على الطائفة الشيعية لقب «الطائفة الفتاة»، نظر إليها كقوة صاعدة، يمكن لها من خلال ما تحمله من امكانيات على مختلف الصعد أن تغير وجه لبنان نحو الأفضل، من دون أن تمس عقده الاجتماعي، أو تسعى للهيمنة عليه، فهي في نظره، صاحبة مصلحة مباشرة في أن يكون لبنان دولة سيدة مستقلة. عنده خصوصية لبنان من خصوصية طوائفه، ومن ضمنها الطائفة الشيعية”.
إقرأ ايضاً: خاص «جنوبية»: بعد تذليل العقبات..لقاء ثلاثي في بعبدا لإعلان تشكيلة الحكومة!
ونوه بأن “لقمان كمفكر وقارئ متعمّق لتاريخ هذه الطائفة، كان ينظر لجبل عامل نظرة مختلفة، يرى فيه الكثير من الأحداث، التي جعلت منه جغرافية ساحرة، كان شديد الإعجاب بتجربة العامليين التاريخية، فقد أثنى مرّة على توصيف قد قيلَ: إن من خلال ما خبره جبل عامل من أحداث وتحديات أصبح لدينا «روحاً عاملية» خاصة، هي خليط من كل شيء: اللكنة، حب الأدب والشعر، المبادرة وأشياء أخرى”.
سليمان: كان يجمع تاريخنا بقطع صغيرة ليجتمع لوحة متكاملة، لذلك أعاد رسم ماضينا بإيجابياته وسلبياته
ووجد ان “استهدافه جاء اولاً، من خلفية كره واحقاد شخصية. إستهدف كحالة فردية استثنائية قادرة على ان تلعب دوراً مهماً داخل الطائفة الشيعية وخارجها، فاستُهدف هذا الدور، ومن خلفية ظلامية تعادي النور، وترتاب من النقد والتفكير، وقول ما لا يجب ان يقال، نُفذت الجريمة السياسية بحقه، لأن كل ما كان يقوم به لقمان يبدأ من السياسة، ويعود اليها. سياسة الاحرار ضد سياسة القمع والاستبداد”.
وخلص “لأن القتل لم يحدث يوماً فرقاً كثيراً، دائماً تتهافت الظلامية الحاقدة.ومع ذلك لو عَرف القتلةُ لقمان سليم حق المعرفة لما قتلوه”!
مداخلات
في المداخلات، قال مصطفى يموت، “ان لقمان كان مغامرا ولكنه كان جادّا أيضا بنفس الوقت في الدفاع عن قضاياه، كان يجمع القوة والتمايز والفرادة”.
وعن جرأة لقمان وشجاعته عقّبت الباحثة رشا الامير شقيقة لقمان، على كلام للدكتور حارث سليمان بقولها انه “عندما ابتاع لقمان ارضا في البقاع تعرّض لتهديدات، ثم استولى عليها اشخاص مجهولون حاولوا زراعتها ممنوعات كي يلبسونه تهمة، لذلك قام ببيع الارض بعد ايام”!

وأردفت”: علت التهديدات ايضا، عندما هاجم رعاع مدفوعين من الجهة المعروفة، منزل العائلة في الغبيري والصقوا على جدرانه ملصقات تهدد علنا بقتله، فردّ لقمان ببيان دعاهم فيه بـ “الخفافيش”، سمّى القتلة باسمائهم حينها، ثم طلب حماية الجيش، ولكن لم يلبِّ طلبه”!
وقالت مستغربة “اليوم قاضي التحقيق في قضية اغتيال لقمان الذي اقفل الملف قبل ايام،كان قد طلب منا نحن اهل الضحيّة ان نقدّم له الأدلة”!
مالك مروة
رفيق لقمان على مدى سنوات، الناشط السياسي في “تجمع لبنان المدني” مالك مروة، قال ان “هناك علاقة عائلية تربطنا بلقمان وقد ربطت آباءنا قبلا فيما مضى ، والمعلوم ان احدا من المحامين لم يجرؤ وقتها على المرافعة في قضية اغتيال والدي الصحافي كامل مروة، عدا والد لقمان المحامي النائب محسن سليم رحمه الله”.
الأمين: كان لقمان بمثابة الحصن الذي كنا نقف خلفه، وكان هو المعيار لدينا، فطالما لقمان بخير ويقول ما يقول فاننا حكما بأمان!
و أضاف”: قد تكثفت لقاءاتي مع لقمان عندما كنا نجتمع في دارته بمنطقة الغبيري، مع مجموعة ناشطة معارضة، ودعيناه “لقاء الخميس” وكان يُعقد اسبوعيا، بعدها تطور العمل السياسي ودخلنا في تجمعات مدنية وسياسية، والتقينا معه في تجمع “اللقاء الوطني” لدعم الجيش اللبناني بحربه ضد الارهابيين في نهر البارد في الشمال”.
وتابع”: رافقت نشاط لقمان الثقافي بتأسيسه منصة “الهنغار” في مكان ملاصق لمنزله في الضاحية قدّم فيه مساحة لعرض الأفلام الوثائقية وجمعية “هيا بنا”، وكذلك عندما حصل على ارشيف استديو بعلبك وكان فرحا جدا لانه يتضمن قسم كبير مما اسماه “ذاكرة لبنان”، وشهدت كيف ان لقمان اهتم بالسجون في لبنان وعمل على جلب اطباء نفسيين للمسجونين لتحسين وضعهم النفسي، ثم عمل على ابراز قضايا شائكة كقضية المفقودين في الحرب والمقابر الجماعية وتمكين المرأة وغيرها، وساعد الشيخ محمد علي الحاج بانشاء حوزة السجاد”.


