استعير العنوان من نص لي مأخوذ من كتاب “زهرة في حائط”، جاء فيه ما حرفيته: “قال أحدهم قل كلمتك وأمشِي، أي عندما تتجرّأ إمشِ ولا تبالِ. أقول لك أيضًا، إذا مشيت فستقول كلمتك، أي أنك عندما لا تبالي وتمشي فستتجرّأ. خطوات المواجهة تسير معك على وقع خطوات مشيتك. قرارك يتحرّر بحركتك وليس وأنت على كرسيك…”
أنا لا أعرفك دولة الرئيس، مع انه كان من المفترض ان نلتقي في مناسبات عديدةً نظرًا لتقارب الأفكار فيما بيننا. جَمَعنا كتاب بعنوان “لبنان اليوم “Le Liban Aujourd’hui أصدرته الصديقة فاديا كيوان بعد حرب 1975 مباشرةً، وجمعت فيه نصوصًا لكتّاب ومفكرين في مجالات متعدّدة، محاولةً منها لإعطاء لمحة متكاملة عن أحوال البلاد بعد أن خرجت من الحرب. أنت كتبتَ في السياسة وأنا كتبتُ عن التحرّكات الجماعيّة المدنيّة التي نظّمها اللبنانيون ضدّ الحرب. كلٌ منّا كتب من الموقع الذي كان يتحرّك فيه، وكانت إتّجاهاتنا متقاطعة الى حدّ كبير.
أخاطبك اليوم من نفس الموقع بعد ان أصبحت أنتَ في موقع السلطة، التي كنّا نناضل معًا، كلٌ من موقعه، حتى تصبح هذه السلطة ديمقراطيّة مستقلّة بآفاق علمانيّة، أو على الأقل لا طائفيّة.
كُلِّفتَ بتأليف الحكومة بشبه اجماع خارجي وداخلي، شعبي ونيابي، تمامًا كما أنتخب جوزف عون رئيسًا للجمهوريّة. تذكّر ذلك قبل ان تتّخذ قرارًا بشأن تأليف الحكومة.
أعي، كما يعي جميع اللبنانيين، حجم المشكلات التي تواجهك في تأليف الحكومة. سأتوقّف فقط عند أم المشكلات، ألا وهي موقف “الثنائي الشيعي”.
خلاصة هذا الموقف المعلن، هي انه لا يمكنك ان تؤلّف حكومة بدون رضى “الثنائي الشيعي” على أساس ان “لا شرعيّة لأي سلطة تناقض العيش المشترك”. وقد أطلق “الثنائي” تسمية “الميثاقيّة” على هذا النص المقتطع من الدستور اللبناني، تذكيرًا بـــ “ميثاق العيش المشترك” الذي أسس لولادة لبنان الكبير.
لا أدّعي على الإطلاق مجاراتك في براعتك في تفسير الدستور والقوانين بشكل عام، فأنت من أهل الإختصاص المشهود لهم من خلال كتاباتك العديدة حول الموضوع. لكن إسمح لي بهذه الملاحظات، الأقرب الى النظرة السوسيولوجيّة الى الأمور:
1- لا علاقة لـــ “ميثاق العيش المشترك” بالمحاصصة الطائفيّة، بل هو إعلان مشترك من المسلمين والمسيحيين، بأن لبنان ليس مقرًّا ولا ممرًّا لا للشرق ولا للغرب. وعلى “الثنائي الشيعي” وتحديدًا “حزب الله” أن يبدأ بحسم موقفه بحيث لا يعود لبنان مقرًّا او ممرًّا لإيران.
2- ان سلطة تخضع لفريق سياسي مذهبي، يفرض عليها تخصيص وزارة الماليّة ووزارات أخرى لأتباعه حصرياً، على عكس إرادة معظم اللبنانيين ومن معظم المذاهب والطوائف، هي سلطة تناقض “العيش المشترك” الذي يفترض “المشاركة” معًا في كافة المواقع الوزاريّة والإداريّة.
3- إن فرض تعيين “شيعي” في وزارة الماليّة من قبل “الثنائي الشيعي” ليس “ميثاقيًّا” بالمعنى الذي يفترضه هذا “الثنائي”، إذ انّه ممنوع تعيين “شيعي” في هذا الموقع لا يرضى عنه هو.
4- إن تعنّت “الثنائي الشيعي” وفرضه على الطوائف والمذاهب الأخرى ما يريده وحده، يغذّي النزعات الطائفيّة والمذهبيّة ويشجّعها على التصرّف مثله، مما قد يؤدّي الى مواقف، قويّة حاليًّا، تشكّك بإمكانيّة “العيش المشترك” وتنزع نحو الفدراليّة، مرورًا بسياسات المحاصصة والتعطيل لآليات العمل السياسي بحسب الدستور، كما حصل في الماضي القريب
5- إن تحجج “الثنائي” بالنية بعزله من قبل باقي المذاهب والطوائف يناقض الوقائع التي دلّت بوضوح ان “الثنائي الشيعي” هو من يمارس إنعزاليّة فاقعة: عزل نفسه عن إنتفاضة 17 تشرين، عزل نفسه عن أهالي ضحايا المرفأ، عزل نفسه عن النواب الراغبين في إنتخاب رئيس للجمهوريّة ولمدة سنتين، عزل نفسه عن باقي اللبنانيين وأعلن الحرب منفردًا، عزل نفسه عن باقي المواطنين الشيعة الذين لا يجارونه في سياساته، وأخيرًا عزل نفسه عن باقي الكتل النيابيّة وأحجم عن إنتخاب جوزف عون وعن تكليف نواف سلام، في موقف مناقض لخيار معظم اللبنانيين.
لا خوف من عزل الشيعة بل من إنعزاليّة “الثنائي الشيعي” التي تضرب بالصميم “العيش المشترك”. وهذا ما يرتّب علينا جميعًا، الداعمين للرئيسين جوزف عون ونواف سلام، والمعارضين الشيعة “للثنائي”، ان نعلن موقفنا صراحة وبصوت عالٍ، بدون تردّد ولا مواربة.
فلنقل كلمتنا ونمشي وتمشي معنا يا دولة الرئيس، فتقول كلمتك، التي نعرفها جيداً، والتي هي اليوم لصالح جميع اللبنانيين وفي طليعتهم المتضررين الشيعة من السياسات الإنعزاليّة السابقة. وكلمتك، التي سمعناها منك عند تكليفك، هي تعهدك بتطبيق الدستور والقانون، فلا تكسفنا من اول الطريق، فلن تستطيع ولن نستطيع معك سلوك طريق المستقبل، إن انطلقنا من حفرة بوسع ترسبات الماضي، وانت قد كُلفت اصلاً بردمها، مزوّدا بإرادة دولية ووطنية جامعة.
وبدل أن تعيد عقارب الساعة الى الوراء، لا تستعجل بالقبول بما هو غير مقبول، بل خذ وقتك وفاوض بإسم شعبك وباسم الدستور. الوقت لصالحك وليس لصالح الذين يحنّون الى الماضي المؤلم والمظلم لجميع اللبنانيين، وخاصة للذين كانوا ضحايا العدوان الاسرائيلي، وينتظرون منك الفرج، الذي لن يأتي الا من خلال القطع مع أسوأ ممارسات الماضي.

