تحولت دعوة البطريرك الماروني بشارة الراعي إلى تعديل الطائف مادة سجالية جديدة، بين من يؤيّد التعديل ومن لا يرى الظرف ملائماً لذلك ومن يرفض الأمر بالمطلق.
تشخيص هذا الوضع تولّاه الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله الذي لاحظ أن الجدل بشأن قانون الطائف يتجدّد عند أي أزمة، ولذلك أعيد فتحه بعد قضية مركز الاتصالات الأخيرة. وقال نصر الله في كلمة وجهها إلى المشاركين في إحياء الذكرى الثانية والعشرين لرحيل الإمام الخميني، إن الخشية دائماً أمام مطلب جوهري كتعديل الطائف، هي من عودة الانقسامات والاصطفافات الطائفية، لذلك اقترح مقاربة الموضوع بطريقة مختلفة، عبر الانطلاق من التأكيد على وجود دستور وقانون ونظام، وأن هناك ثغراً أو مشاكل تحتاج إلى معالجة ووضع آليات جديدة، داعياً إلى إعطاء هذه المقاربة عنوان تطوير النظام، لأن «هذا النظام القائم لا نريد أن نعود به إلى الخلف. العودة إلى الخلف تعني العودة إلى المشاكل السابقة». وتجنّب طرح أي آلية للتطوير، مكتفياً بالقول إنه يمكن مجلس النواب أو الحكومة أو مؤتمر الحوار الوطني تأليف لجنة من قانونيين وسياسيين لا علاقة لهم بالأزمات السياسية اليومية، لتقويم هذه التجربة وتحديد الثغر واقتراح آليات المعالجة، «ونحن بالفعل بحاجة إلى تطوير النظام في لبنان ليتماشى مع حجم الحاجات والتطورات والتحديات المالية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية، إلى آخره. لا نستطيع أن نبقى حيث نحن». وسارع إلى التوضيح: «ولكن طبعاً، عندما نتحدث عن تطوير، فنحن نتحدث عن سعي إلى التوافق والتلاقي والإجماع، وليس إلى الغلبة، لأن التطوير مع الغلبة قد يؤدي إلى نتائج سلبية وعكسية لا يريدها أحد منا».
ثم انتقل إلى الحديث عن موضوع تأليف الحكومة، ولفت توصيفه له بـ«الخطب القائم»، الذي شدد على أنه «غير مبرر مهما تكن السير الذاتية لتأليف الحكومات سابقاً»، مؤكداً ضرورة استمرار الجهود «ليس هناك خيار آخر»، وجزم بالوصول إلى نتيجة «بكل تأكيد». وقال: «نحن كجزء من الأكثرية الجديدة نعرف الصعوبات والتعقيدات، ونتفهم مخاوف بعض الحلفاء والأصدقاء وقلقهم، ولسنا في وارد التعليق، ولسنا في وارد توزيع المسؤوليات والتبعات والعتابات. أولويتنا هي مواصلة العمل والتعاون مع الجميع، ومساعدة الرئيس المكلف لإنجاز تأليف الحكومة». وأعلن أن مساعي التأليف استؤنفت «بفعالية جيدة، وستستمر، ولن نهدأ قبل أن نصل إلى نتيجة».
وحمّل نصر الله كل القيادات في لبنان مسؤولية تاريخية، فـ«من الخطأ التعاطي مع الأوضاع السياسية والأمنية في لبنان بمعزل عمّا يجري في المنطقة»، الذي رأى أنه خطير جداً، مكرراً تحذيره من مشروع أميركي ـــــ إسرائيلي لتقسيم دول المنطقة، ومن أنه «إذا أخذت الأمور منحى سلبياً في سوريا»، فإن ما يُعدّ لها هو تقسيم سيصل إلى السعودية ولن يقف عند حد، وإن أعرب عن اعتقاده بأن وعي القيادة والشعب في سوريا سيؤدي إلى «تجاوز هذه المحنة».
وشدد نصر الله على ضرورة الحفاظ على مؤسسات الدولة وبنيتها، وخصوصاً الحفاظ على وحدة المؤسسات الأمنية وتماسكها، ولا سيما الجيش، «لأن الحفاظ على بنية الدولة هو الذي يحافظ على وحدة البلد، وعلى أمنه واستقراره»، في الحدّ الأدنى لا يأخذنا إلى المخاطر، إن لم نستطع أن نحقق الإيجابيات المنشودة».
وحضر موضوعا الطائف والحكومة في جولة للنائب وليد جنبلاط قادته من منزل الرئيس سليم الحص إلى منزل النائب تمام سلام، حيث استذكر شعار صائب سلام «لا غالب ولا مغلوب والتفهّم والتفاهم»، ثم إلى منزله في كليمنصو حيث استقبل وفداً من الجماعة الإسلامية. وعلّق جنبلاط على طرح تعديل الطائف بالقول: «لا أعتقد أننا نستطيع أن نتحمل مجدداً تعديل اتفاق الطائف. فعندما وصلنا إلى الطائف، استغرق الأمر من عام 1975 إلى عام 1989. ولا أعتقد أننا سندخل مجدداً في هذه الدوامة، آخذين في الاعتبار أنه لا بد بالتوافق من أن يعزّز بعض من صلاحيات رئاسة الجمهورية». وجدّد دعوته إلى التعجيل في تأليف الحكومة «لأن الحكومة مهما كان لونها، فهي لجميع اللبنانيين». وأوضح أن ما نُسب إليه من أنه سيرفع العشرة «غير دقيق أبداً»، مردفاً «أحمّل المسؤولية لفريق الأكثرية الجديدة، لأننا لا نستطيع أن نكمل المشوار في هذا الطريق. الفراغ يُملأ بالفوضى أو بالهريان الاقتصادي، من هنا ضرورة تأليف الحكومة». وعن تجدد مساعي التأليف، قال: «قيل لي إن هناك إشارات قد تطلّ علينا من خلال حركة الخليلين، ونأمل أن تكون تلك الحركة بنّاءة».
وفي هذا الإطار، أكدت مصادر مشاورات التأليف لـ«الأخبار» أن اتصالات الساعات الأخيرة حملت إشارات إيجابية من جميع القوى المعنية بالمشاورات، لكنها تحفظّت على الخوض في تفاصيل هذه الإشارات، حفاظاً عليها. ولفتت إلى أن مختلف هذه القوى باتت تشعر بالخسارة الناتجة من تأخير التأليف، بدءاً من الرئيسين ميشال سليمان ونجيب ميقاتي، وصولاً إلى جنبلاط، مروراً بقوى 8 آذار والتيار الوطني الحر. وتوقعت هذه المصادر أن يدفع تلمّس الخسائر الناتجة من التأخير القوى المعنية إلى تقديم التنازلات المتبادلة.
وفيما اتّسعت مروحة المواقف من تعديل الطائف، قبولاً ورفضاً وتحفّظاً، وهاجمت الأمانة العامة لقوى 14 آذار الرئيس نبيه بري على خلفية موقفه الأخير منها، زارت السفيرة الأميركية مورا كونيلي بري، ووزّعت بياناً كررت فيه المواقف الأميركية الأخيرة من موضوعين وحيدين: حاجة مؤسسات الحكومة اللبنانية إلى العمل مع الهيئات الدولية المعنية لتوفير الحماية للمواطنين السوريين الذين يفرّون من العنف في سوريا، وأن المجتمع الدولي سيقوّم علاقته مع أي حكومة جديدة في لبنان على أساس تركيبتها وبيانها الوزاري والإجراءات التي ستتخذها في ما يتعلق بالمحكمة الدولية والتزامات لبنان الدولية الأخرى… لتختم باللازمة المعروفة: تركيبة حكومة لبنان قرار لبناني حصري ويجب حماية عملية تأليفها من أي تدخل خارجي.

