الحرب الأهليّة إحتمال غير بعيد!

هشام حمدان

بلغ أهل المقاومة حدّا من المكابرة والعناد لا يسمح فقط، بتدمير وطننا، ورهن قدراتنا لأجيال عديدة، وقتل أبنائنا، وتشريد عائلاتهم، بلّ على الإصرار على العودة إلى البداية، ولو مع الأحفاد. ليست المرّة الأولى التي يعاني لبنان هذا المصير.

نظرة سريعة وهادئة للواقع القائم في محيطنا يجعلنا نتساءل، على ماذا يستمرّ هؤلاء في المراهنة لتحقيق أحلامهم. هل يقتنع أهل المقاومة فعلا، بأنّهم سيصلون بسلاحهم إلى القدس، والصّلاة في المسجد الأقصى، وإزالة إسرائيل من الوجود؟

أهل المقاومة وأنصارها، هم شريحة من أبناء بلدنا وأهلنا. من واجبنا التّعاضد معهم وقت الضّيق. لكن من واجبهم أيضا أن يعيروا أصواتنا، آذانهم الصّاغية

نحن لا نجادل في جماليّة وأهمّيّة تلك الأحلام. وإنّما نجادل في استمرار الوهم بأنّها ممكنة مع كلّ التّضحيّات التي يقدّمونها، والخسائر التي يدفعوننا لها. أهل المقاومة وأنصارها، هم شريحة من أبناء بلدنا وأهلنا. من واجبنا التّعاضد معهم وقت الضّيق. لكن من واجبهم أيضا أن يعيروا أصواتنا، آذانهم الصّاغية. لعلهم يذكرون ما قاله عبد النّاصر لقادة العراق مرارا، من أنّ المطالبة بالكويت هي إعلان حرب ضدّ أميركا وبريطانيا. وهذا غير مقبول ومستحيل. متّى يفهمون أن شعار إزالة إسرائيل هو إعلان حرب ليس ضدّ أميركا وحدها، بل ضدّ معظم دول المجتمع الدولي؟

لا أحد يجهل حقيقة الدّور الذي لعبته وتلعبه، ألقوى الخارجيّة، في الحالة اللّبنانيّة. فقد كان لبنان عبر القرون، ضحيّة الدّول الفاعلة صاحبة المصالح في الشّرق الأوسط

لقد سعى المفكرون في لبنان، إلى تقديم قراءات موضوعيّة، تساهم بإعادة صياغة الفكر الوطني بما يسمح فعلا، بإقامة وطن يستجيب للطّموحات المرجوة عند أطفالنا، وشبابنا، وإنساننا في أي بقعة من البلاد. لكن من دون صدى. ندرك أنّ العقل المنفتح قادر أن يعيد قراءة الفكرة، وقادر على تصويب الخلاصات، لكنّ مشكلتنا أنّ عقولنا لا تقرأ الأمور بإنفتاح، بل بآليّات غريزيّة تحكمها جملة موروثات لها خلفيّات دينيّة، او عائليّة، أو قرويّة، أو غرضيّات حزبيّة، توارثناها من آبائنا، ومحيطنا الأسري، والإجتماعي.

شهد لبنان حالة من التّقدم الذي ولّدته الإختلاطات الثّقافيّة مع الغرب. تحوّل لبنان ولاسيّما منذ القرن التّاسع عشر، إلى مدرسة الشّرق، ومستشفى الشّرق، ومصرف الشّرق، ومرتجى أهل الشّرق في مقاربة العصرنة والحداثة. تمتّع المواطن اللّبناني، بقدرات علميّة، وثقافيّة، ومعرفة واسعة، وبإمكانيّات إعلاميّة عصريّة متقدّمة، وعلاقات دوليّة، وتاريخ في ممارسة الحرّيّات العامّة، والمفاهيم الدّيمقراطيّة، وصناعة مبادئ حقوق الإنسان. لعب دورا رائدا في تعزيز المفهوم القومي في العالم العربي، وكشف العلل في المجتمع العربي، ومناهضة الدّيكتاتوريّات، وفي نشر التّوعيّة السّياسيّة العامّة، وتكوين المقاربة العربيّة للأحداث الدّوليّة. نشأت في لبنان، حركة حزبيّة ناشطة ومتفاعلة بشكل مدهش، إذ اختلفت الإيديولوجيات وتعدّدت، فخلقت تيّارا جارفا من النّهضة الفكريّة بين الشّباب، وكلّ ذلك في مرحلة لا تتجاوز الثّلاثين سنة. 

لقد سعى المفكرون في لبنان، إلى تقديم قراءات موضوعيّة، تساهم بإعادة صياغة الفكر الوطني بما يسمح فعلا، بإقامة وطن يستجيب للطّموحات المرجوة عند أطفالنا، وشبابنا، وإنساننا في أي بقعة من البلاد. لكن من دون صدى

فكيف سمح هذا النّهوض الفكري بقيام حرب أهلّيّة، وباستمرار النّزيف في وطننا حتّى هذا التاريخ؟

لا أحد يجهل حقيقة الدّور الذي لعبته وتلعبه، ألقوى الخارجيّة، في الحالة اللّبنانيّة. فقد كان لبنان عبر القرون، ضحيّة الدّول الفاعلة صاحبة المصالح في الشّرق الأوسط. أدّت هذه التّدخّلات، إلى نشوء مفاهيم، وتقاليد، وعادات، ترسّخت بفعل التّغيّرات المتسارعة التي لم تسمح بحقبة زمنية كافية تزيل أو تبدّل منها. تأثّرت المجموعات من أحزاب، وقوى إيديولوجيّة بكلّ هذه المفاهيم والتّقاليد المتوارثة. الإنتماء الحزبي لم يعد خيارا بلّ هويّة ينقلها الأب إلى أولاده. الإنتماء الدّيني رابط أسري يجسّده الولاء للعائلة والمحيط، والمفهوم الفكري سمة إجتماعيّة يقيمها الرّابط الدّيني، والإنتماء الأسري والرّابط العائلي الإجتماعي. أصبحت أفكارنا جزءا من التقليد السّائد في محيطنا، والخروج عنها خروج عن الرّوابط الإجتماعيّة العشائريّة والقبليّة.

سقطت منذ أوائل التّسعينيّات، ألأفكار الإيديولوجيّة، وتبدّلت بفعل المتغيّرات الدّوليّة. غير أنّ المؤثّرات المتوارثة في مجتمعنا جعل ما نختزنه جزءا من التكوين النّفسي الذي يطبع أشخاصنا. وعليه، فإن من غير المستبعد أن تثور هذه الموروثات مجدّدا لتدفع بنا إلى حرب أهليّة جديدة. لقد ساهم سلاح “حزب الله”، وقوّته، على إخضاع المكوّنات الأخرى في البلاد، ليس بقناعة لما يقوم به، بل خوفا منه. لم تكن الظّروف الإقليميّة، والدّوليّة مناسبة لأيّة مواجهة مع هذا الحزب، لكن كلّ شيء تغيّر ويتغيّر سريعا. وبدلا من ينكفئ أهل المقاومة إلى أهلهم نسمع الكثير من أصوات التّحدّي والتّهديد، وتتكاثر الممارسات الفاقعة، ممّا يمكن أن يؤدّي إلى شرارة تشعل النّار.

من غير المستبعد أن تثور هذه الموروثات مجدّدا لتدفع بنا إلى حرب أهليّة جديدة. لقد ساهم سلاح “حزب الله”، وقوّته، على إخضاع المكوّنات الأخرى في البلاد، ليس بقناعة لما يقوم به، بل خوفا منه

أهل الحكومة والسّلطة لا يعيرون هذا الأمر إهتماما مناسبا. قلنا سابقا أنّهم يرتجون الحرب والدّمار لنهب المساعدات، وزيادة الثّروات. ما زالت الحكومة رهينة مواقف سياسيّة يفرضها “حزب الله”. ومثل هذه المواقف تنعكس غضبا ولو بصمت، بين العامّة. تصميم نبيه برّي، والقيادات السّياسيّة على المماطلة بانتخاب رئيس للجمهوريّة، يزيد من العوامل النّفسيّة السلبيّة الضّاغطة بين النّاس. قلنا ونكرر، لا عودة إلى ما قبل 8 تشرين الأوّل 2023. من الضّروري أن ندرك ذلك بوضوح. كلّ تأخير بهذا الشّأن، سيدفع بالنّاس إلى الإنتفاضة ضدّ الخوف من سلاح “حزب الله”، وآلته للقتل والإغتيال، فيفلت زمام الأمور. أخشى أنّ هناك من يدفع بهذا الأمر لتحقيق حسم داخلي، يكرّس الحسم المنشود للحرب الجارية.

إقرأ أيضا: سجلت أكبر عدد منذ بداية الحرب… هجمات الحزب تجاوزت الأربعين وإسرائيل تستبيح دم الصحافيين من جديد

السابق
سلاح الجو الملكي البريطاني ينقل إمدادات غذائية وطبية حيوية للجيش اللبناني
التالي
صحف النظام الإيراني «تعتم» على الضربة.. و«تتوجس» من حدة التوترات