وصفني وزير سابق، وصديق لما يسمّى “مقاومة” بأنّني شديد العداء لها. أجبته بصراحة، أنّ هذا الإنطباع يبيّن عمق الميول التي تشدّه إلى تلك المقاومة، والتي تمنعه من قراءة مواقفي بموضوعيّة، وتدّل على عبثيّة الحوار مع هذا المحور.
نحن لا نشكّ أنّ هاجس عدد من المفكّرين الملتزمين توجّه المقاومة، هو هاجس أخلاقي، وضميري، وإنساني، يتّصل بعمق كراهيّتهم للظّلم الذي لحق بالشّعب الفلسطيني. لكن، من الضّروري، أن يقوم أيضا، بين الملتزمين شرعيّة الحقوق الفلسطينيّة، مفكّرون، ينظرون إلى دور هذه المقاومة من منطلق غير عاطفي، يأخذ بالإعتبار، ألحقائق التي تحيط بدورها، وما يؤدّي سلاحها من فوائد فعليّة لأهل فلسطين، مقابل الأضرار التي تلحق بوطننا وشعبنا. نحن لا يعيرنا أبدا أنّنا ملتزمون أوّلا ببلدنا، وبأمنه ومصالحه، ولا نقبل رميه في نيران جهنّم من أجل أحد.
لطالما جادلنا أنّ هذه المقاومة تأخذ طابعا دينيّا، لا قوميّا، ولا صلة لها بالعروبة. وشرحنا دور الغرب في دفع العامل الدّيني، في الصّراع مع إسرائيل للقضاء على البواعث القوميّة العربيّة في هذا الصّراع
لطالما جادلنا أنّ هذه المقاومة تأخذ طابعا دينيّا، لا قوميّا، ولا صلة لها بالعروبة. وشرحنا دور الغرب في دفع العامل الدّيني، في الصّراع مع إسرائيل للقضاء على البواعث القوميّة العربيّة في هذا الصّراع. خلق الغرب الخمينيّة في إيران عام 1979، كفكر دينيّ، يساهم مع الدّول الإسلاميّة المحافظة في الخليج بصدّ التّمدّد للإتّحاد السّوفياتي والشّيوعيّة في الشّرق الأوسط، واستطرادا، بإضعاف الحركات الثّوريّة القوميّة العربيّة، ألحليفة للإتّحاد السّوفياتي، ولاسيّما العراق، الذي كان وحده يقضّ مضاجع إسرائيل والغرب. كانت أولى معارك إيران في المنطقة ضدّ العراق. وكانت إسرائيل الحليف الخفيّ ألذي زوّدها بالسّلاح في هذه المعركة.
قلنا في مقالتنا السّابقة، أنّ الظّروف والمعطيات تبدّلت بعد أن سقط الإتّحاد السّوفياتي، وسقطت الإيديولوجيا الشّيوعيّة. بدّل الغرب في تعاطيه مع أهدافه في هذه المنطقة. دفع بالفكر الإيديولوجي الدّيني لملء الفراغ الإيديولوجي الفكري الشّيوعي. رفع الرّئيس جورج بوش الأب عام 1990، شعار الإبراهيميّة كمسعى لإنهاء الصّراع العربي الإسرائيلي في المنطقة، وقال: “الدّين سيكون أفضل وسيلة لإعادة السّلام إلى الشّرق الأوسط”.
حصل في حينه، إجتياح العراق للكويت. كان من الممكن أن يكون العراق بداية العمليّات لتغيير المنطقة، والإفساح أمام التّرويج للفكرة الإبراهيميّة. كثيرون تساءلوا، لماذا لم يكمل الرّئيس بوش حربه ضدّ صدّام حينها، بعد طرده من الكويت؟ من الواضح أنّ السّبب، هو أنّ الفكر الدّيني، لم يكن قد اكتمل نضوجه في الشّارع العربي، فكان لا بدّ من التّريّث.
هذا الحزب، إستمدّ فكره الإيديولوجي ومفهومه لدوره، من خلال التزامه بنظام وليّ الفقيه. فهو إذا، لم يكن مقاومة لبنانيّة، ولا عربيّة، ولا فلسطينيّة. يصحّ القوّل أنّه، كان مقاومة أمميّة إيديولوجيّة، تأخذ أبعادها، وترسم أهدافها، وتحدّد خطاها وفقا لعلاقتها الإيديولوجيّة مع نظام وليّ الفقيه الفارسي في إيران
توقّفت في حينه أيضا، الحرب الأهليّة في لبنان. تمّ توقيع إتّفاق الطّائف برعاية أميركيّة وسعوديّة. جرى سحب أسلحة كلّ الميليشيات باستثناء أسلحة ميليشيا “حزب الله”. تٌرك هذا الحزب الإيراني لمتابعة حربه ضدّ إسرائيل، ربيبة الغرب وصنيعته في هذه المنطقة، تحت رعاية نظام دمشق. تجاهل الغرب أنّ هذا الحزب متّهم بالإرهاب، وبقتل الأميركيّين، والفرنسيّين، والأوروبيّين، وتركه من دون عقاب. أيّ عقل وطني عاقل، يمكن أن يتجاهل هذه الحقائق، ولا يتساءل عن الغرض والأسباب؟
لقد شرحنا مرارا، أنّ هذا الحزب، إستمدّ فكره الإيديولوجي ومفهومه لدوره، من خلال التزامه بنظام وليّ الفقيه. فهو إذا، لم يكن مقاومة لبنانيّة، ولا عربيّة، ولا فلسطينيّة. يصحّ القوّل أنّه، كان مقاومة أمميّة إيديولوجيّة، تأخذ أبعادها، وترسم أهدافها، وتحدّد خطاها وفقا لعلاقتها الإيديولوجيّة مع نظام وليّ الفقيه الفارسي في إيران. هي نظير للتّحرّكات الثّوريّة الأمميّة التي حصلت في إطار الحرب الباردة مع الإتّحاد السّوفياتي والإيديولوجيا الشّيوعيّة. لكنّ الشّيوعيّة، كانت تهديدا للنّظام الرّأسمالي، فيما الخمينيّة، هي وسيلة لتعزيزه، وتمكينه في الشّرق الأوسط.
كانت حروب حزب إيران على جبهة لبنان، رغم أنّها اتّخذت عنوانا هو المقاومة، جزءا من حروب إيران في باقي الجبهات. لطالما قلنا للّذين يدعمون سلاحه بحجّة أنّه سلاح موجّه نحو إسرائيل، ولخدمة الفلسطينيين، أنّ لهذا السّلاح “الموجّه نحو إسرائيل” غرضه الباطني، وأنّ من الضّروري على المفكرين، أن يتنبهوا إلى هذا الأمر. فهذا السّلاح، تمّ توجيهه أيضا، إلى غير إسرائيل، سواء في الخليج، أو سوريّا أو في لبنان، وحتّى في السّاحات الدّوليّة. ترك الغرب الدّيمقراطي، الحزب الذي وصفه بالإرهابي، والمدعوم من النّظام السّوري العلوي، يتابع حربه “المباركة خمينيّا” ضدّ إسرائيل. كما لم يهتم لإكمال أحكام إتّفاق الطّائف لإنهاء الشّرذمة وإقامة الإصلاحات وبناء الدّولة، واستعادة السّيادة.
إستمرّت الميليشيات الطّائفيّة بقياداتها الدّمويّة، تحكم البلاد وفقا لنظام كانتوني طائفي غير خاف. لم يكن هناك إتّحاد سوفياتي يقف بوجه الغرب لو أراد حسم الموضوع، وفرض اتّفاق الطّائف. لم يفعل. إكتمل مع عام 2000، ضخّ ما يكفي من الفكر الدّيني الخمينيّ في الشّارع العربي. خرجت إسرائيل من لبنان في أيّار/مايو من ذلك العام. إنتصر الفكر الخميني حيث فشل القوميّون الثّوريّون. حان وقت إسقاط الفكر القومي الثّوري.
كانت حروب حزب إيران على جبهة لبنان، رغم أنّها اتّخذت عنوانا هو المقاومة، جزءا من حروب إيران في باقي الجبهات. لطالما قلنا للّذين يدعمون سلاحه بحجّة أنّه سلاح موجّه نحو إسرائيل، ولخدمة الفلسطينيين
هناك الكثير من المعلومات والأسئلة عن تواطؤ مخابراتي في جريمة 11 أيلول 2001 في الولايات المتّحدة. وسواء كانت تلك المعلومات صحيحة أم كاذبة، إلّا أنّ الحقيقة الثّابتة، هي أنّ الولايات المتّحدة، إستخدمت هذه الهجمة الإرهابيّة حجّة للهجوم على العراق وتدميره. أنظروا إلى ما حصل في العراق. أليس من المفروض بالمفكّرين الوطنيّين، أن يدرسوا كلّ هذه التّفاصيل قبل اتّخاذ موقف من الوقائع التي لحقت!
من يجهل من المفكّرين والمؤرّخين كيف صنعت الولايات المتّحدة داعش بعد أن انتهى دور “القاعدة” لماذا؟ بكلّ بساطة فإنّ الهدف كان تثوير الصّراع الدّيني في المنطقة بين السّنّة والشّيعة، لتسهيل تقسيم بلداننا وشعوبنا. أعلنت كونداليزا رايس عام 2005، سياسة الفوضى الخلّاقة. ونحن نعلم ما حصل بعد ذلك. وقعت الكارثة في سوريّا، وأصبح التّقسيم شبه قائم. التّقسيم في لبنان، لم يكتمل بعد. نخشى أنّ تكون هذه الحرب، هي المخاض لتحقيقه واقعيّا.
إقرأ أيضا: خامنئي: الضربات لقادة حزب الله خسارة ولكنه أعظم من أن ينهار أو يتلقى الهزيمة

