صيدا بين «الصلاة» والثورة!

منذ تطورت وسائل المواصلات واِستُبدل الحنطور بالسيارة، صار مقصد اهالي المدن الساحلية صيفاً جبل لبنان، بسلسلتيه الشرقية والغربية، واصبحت عاليه عروس المصايف، وجزين عروس الشلال، وسير وإهدن تجذبان اهل الشمال، وجباع وجرجوع وعين بوسوار مقصد الصيداويين، ولا ننسى ضهر الرملة واحراج بكاسين.

الاغنياء تملكوا البيوت والبساتين، والطبقة الوسطى استأجرت الشقق، والفقراء افترشوا الارض والتحفوا السماء، ونصبوا “اراجياهم” ومناقل الشواء وعدة السيران، تحت اشجار الصنوبر في الاراضي المفتوحة من جبال لبنان ذات الطبيعة الساحرة، وحيث الهدوء والسكينة ورائحة الطبيعة الخلابة.

الامتداد الطبيعي للمدن الكبيرة في العالم، هو حالة توسعية طبيعية وديموغرافية، تتراكم امتدادا في مختلف الاتجاهات، ليتصل الريف بالمدينة، وليتكامل البحر مع الجبل، بسلسلة من الزحف السكاني الطبيعي، الذي اثمرته الايام والسنون.

كما اصبحت بشامون وعرمون والدوحة احياء بيروتية بحتة، سيستمر هذا التمدد بفعل العوامل الطبيعية والتكاثر البشري، وستتصل الجبال بالبحار والريف بالمدن والانهار بالعمران

مثلا منذ مئة عام، كان مركز مدينة صيدا هو ساحة باب السراي، وكان شارعها الرئيسي والتجاري والحيوي هو شارع الشاكرية، او خط فلسطين كما كان يسمى، واليوم باتت عبرا هي المنطقة الرئيسية والحيوية لصيدا، واصبح بوليفار نزيه البزري هو الشارع الرئيسي والحيوي للمدينة، وعبرا بدون منازع كما التعمير والفيلات والقياعة وحي الزهور، يوجد فيها الزخم والثقل السكاني للمدينة، بالإضافة الى الشرحبيل ومجدليون وجادة بري، وبعد عشرات الاعوام سيتمدد ذلك الزحف السكاني الطبيعي ليصل الى لبعا وما بعد لبعا، سيما ان الكثير من الصيداويين تملكوا وبنوا وسكنوا أبعد من لبعا، وصولا الى روم وعازور، ولا يزال التقدم مستمرا.
إنها عجلة الحياة الطبيعية والتوسع والتمدد الديموغرافي الطبيعي، فكما اصبحت بشامون وعرمون والدوحة احياء بيروتية بحتة، سيستمر هذا التمدد بفعل العوامل الطبيعية والتكاثر البشري، وستتصل الجبال بالبحار والريف بالمدن والانهار بالعمران.

إلا في لبنان، حيث الموازين مقلوبة والمعادلات مرفوضة، والطبيعة عدو للاقليات والتمدد العمراني والتنويع الديموغرافي، بات في بلدنا هو هجوم على الغير، ومحاولة لتغيير ديموغرافية المناطق، والتعدي على التاريخ والتراث والتقاليد.

عدد الصيداويون الذين يسكنون ويتملكون بعد هذه الحدود، عشرات الالاف بل اضعاف سكان صيدا الادارية

البلد الذي يتغنى بالتنوع والاختلاف، يستخدم هذه الميزة للتموضع والتمترس، واعتبار كل من هو من خارج نسيجهم الإجتماعي، غريب متطفل عليهم، وهذا لا يحدث الا في لبنان، فالقاهرة مثلا تضاعفت مساحتها اضعافا مضاعفة، وتوسعت وتمددت وانتجت القاهرة الادارية الجديدة، لكن في لبنان مثلا ممنوع على ابناء المدن حق التوسع الطبيعي، فصيدا مثلا ينتهي حدودها بين اشارة ايليا ودوار القناية، مع العلم ان عدد الصيداويين الذين يسكنون ويتملكون بعد هذه الحدود، عشرات الالاف بل اضعاف سكان صيدا الادارية، المخنوقة بحدود الطائفية والتقوقع والتمترس.

لم يعد هناك وجود لقرية الهلالية ولا تزال بلديتها قائمة

بل ازيد على ذلك، ان بعض القرى التي لا يزيد عدد سكانها على ٥٠٠ نسمة، ويقيم اغلبهم خارج صيدا، بل خارج لبنان، تبلغ مساحة قريتهم الادارية اكثر من مساحة صيدا، الذي يزيد عدد سكانها او ابنائها المئتي الف نسمة…. فمثلا لم يعد هناك وجود لقرية الهلالية ولا تزال بلديتها قائمة، في ظل الغياب التام لبيوت وسكانها الاصليين…

الموضوع لم يعد موضوع اعتراض على صلاة أو طلب للصلاة، ب “الهَوايات” والنسيم البارد او صلاة دون استئذان، بل هو عصبية وتعصب اعمى، ونظرة ضيقة من كلا الطرفين، لوطن اوسع من ان يكون اسير الاهواء، و حدود جغرافية الطوائف والمذاهب، والمناطقية والفئوية والطائفية والعصبية…

اذا كان لا بد من ثورة وصلاة، فلا بد ان تكون ثورة على العقول المتحجرة من كلا الطرفين، وصلاة الجنازة على بلد يتحلل.

السابق
علي الأمين يكشف عن سبب تأخر الرد الإيراني: هناك نوع من المقايضة
التالي
هجمات اسرائيلية متتالية على بلدات جنوبية.. هل يتخلى «الحزب» عن الرد؟