وجيه قانصو يكتب لـ«جنوبية»: سياسة أمريكية على إيقاع إسرائيلي متفلت

وجيه قانصو
يخص الدكتور وجيه قانصو «جنوبية» بمقال أسبوعي ينشر حصرياً على صفحات الموقع ومنصاته.

كان الاستقبال المهيب لرئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في الكونغرس الأمريكي معيباً ومشيناً، ليس بحق الإنسانية أو بحق آلاف الابرياء الذين قضوا من أهل غزة فحسب، بل بحق القيم الديمقراطية والحقوقية التي يفاخر بها الأمريكيون، ويعتبرونها جزءا أساسياً من إرثهم السياسي والثقافي. هو مشهد يبين المسافة والفجوة بين المبادىء التأسيسية للنظام الأمريكي، بخاصة مبدأ الحقوق الطبيعية غير القابلة للانتزاع، الذي أدرج في ديباجة الدستور الأمريكي من جهة، وبين آليات صناعة القرار السياسي، التي تتحكم بها قوى اللوبي وجماعات الضغط، حيث للكيان الصهيوني حضور فاعل ونافذ فيها من جهة أخرى.

رغم كل ذلك، لم يحصل نتنياهو على ما يريد من الرئاسة الأمريكية. فالحفاوة البروتوكولية في الكونغرس، لم تترجم أكثر من مواقف مبدئية بدعم إسرائيل في “الدفاع عن نفسها”، لكنها لم تكن قابلة للاستثمار، في تحصيل الدعم الشخصي لنتنياهو في إدارته لحرب غزة. فنتنياهو الذي كان أكبر المتضررين من “طوفان الأقصى”، لا بسبب فشل إدارته، في منع الاختراق الأمني الخطير داخل إسرائيل فحسب، بل بسبب مواقفه المتطرفة المحكومة لرؤية طوباوية واستعلائية، تتجاهل معطيات الواقع وتبقى المنطقة فوق فوهة بركان مشتعل. لهذا عمد نتنياهو أن يعوض فشله داخل المجال الإسرائيلي، بتعويم نفسه أمريكياً، بخاصة لدى صناع القرار الأمريكي وجماعات الضغط اليهودية.

جاء الرد الرسمي الأمريكي حاسماً على لسان كاميلا هاريس، بالتأكيد على أمرين أساسيين: أولهما، أن أميركا تدعم إسرائيل بالدفاع عن نفسها، مع الاحتفاظ بمرجعية الإدارة الأمريكية في الموافقة على الطريقة والآلية. ما يعطي للإدارة الأمريكية القول النهائي حول حدود المواجهة وطريقة إدارتها. ثانيهما التأكيد على حل الدولتين. وكلا الأمرين لا يريد نتنياهو سماعهما، لأنهما يناقضات رؤيته لحل المشكلة الفلسطينية، ويضعانه داخل قفص من القيود يعرضان مستقبله السياسي للانهيار.

لذلك، لم يكن رهان نتنياهو على موقف إدارة جو بايدن، بل على خارطة القوى وجماعات التأثير داخل الولايات المتحدة. من خلال اللعب على تناقضات الحزبين الديمقراطي والجمهوري، واستثمار التنافس الانتخابي الجاري بينهما في دعم إسرائيل، والعمل على تشكيل جبهة سياسية مضادة قوامها الجسم التشريعي الكبير في الكونغرس الداعم لإسرائيل، إضافة إلى استقطاب القوى اليهودية النافذة، والمنظمات المسيحية المتطرفة، لغرض بناء لوبي مؤثر وضاغط على صناع القرار الرسمي، يوفر لنتنياهو فسحة حراك واسعة، في إدارة معاركه في غزة وشمال إسرائيل.

بات الشأن الإسرائيلي شأنا أمريكياً خالصاً

لم تكن زيارة نتنياهو إلى الولايات المتحدة، لغرض لتوثيق التعاون بين الدولتين: أميركا وإسرائيل، فهذا تحصيل حاصل، وإنما لخلق مسار يلتف على الموقف الرسمي الأمريكي، الضاغط باتجاه إنهاء حرب غزة، ويؤمن غطاء سياسياً وجسراً عسكرياً يستجيب لسياسته وطموحاته. لهذا كان نتنياهو يتصرف كجزء من المؤسسة السياسية، داخل الولايات المتحدة، لا للتأثير على صناعة القرار فحسب، بل للإسهام في صناعة السياسات نفسها، التي يتم على أساسها أخذ القرارات. ما يظهر عمق وشدة التوغل الإسرائيلي داخل النظام السياسي في أميركا، بحيث بات الشأن الإسرائيلي شأنا أمريكياً خالصاً، وعنصراً ثابتاً من ثوابت اللعبة السياسية في الواقع الأمريكي.

هذا التصعيد الخطير الذي يرفع من منسوب الحرب الشاملة، هو أيضاً مؤشر على حجم ودرجة النجاح الذي حققه نتنياهو

هل حصل نتنياهو على ما يريد؟ لا يمكن التعرف إلى ما أنجزه في الداخل الأمريكي، والذي سيكشف عنه مسار الأحداث والمعارك القائمة في المنطقة. إلا أن زيارة نتنياهو الطويلة نسبياً إلى الولايات المتحدة، تشي بأنه يريد أخذ المواجهة القائمة في المنطقة، إلى مستوى أكثر حدة وخطورة، لا يحتاج معها إلى موافقة وتأييد الإدارة الأمريكية الحالية، بل يكتفي بخلق مقومات ضغط كافية في الداخل الأمريكي، تحرر نتنياهو من القيود والشروط الأمريكية الصارمة عليه، وتفرض على الإدارة الأمريكية ضبط أدائها على إيقاع سياسة وخطط نتنياهو لا العكس. وهو أمر يعززه الانقسام العميق والتوتر الحاد بين الحزبين: الجمهوري والديمقراطي، فضلا عن غياب رؤية أمريكية جادة وحاسمة، في معالجة القضية الفلسطينية تطلع الجميع إلى ما سيفعله نتنياهو في ضربة إسرائيل المتوقعة ضد “حزب الله” بعد مجزرة مجدل شمس. تبين أن اغتيال قياديين كبيرين من “حزب الله” و”حماس”، دفع المواجهة إلى مستويات متقدمة، لم تعد مقترحات الحل المتداولة وآليات التفاوض الحالية، ذات صلة أو جدوى. فالاغتيال أظهر رغبة جلية من إسرائيل بأخذ التوتر إلى مستويات أعلى، لكون المراوحة القتالية الحالية، لا تخدم سمعتها الردعية ولا تنقذ نتنياهو من مأزقه السياسي الداخلي. إلا ان هذا التصعيد الخطير الذي يرفع من منسوب الحرب الشاملة، هو أيضاً مؤشر على حجم ودرجة النجاح’ الذي حققه نتنياهو في زيارته الأخيرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، لجهة عدم الاكتفاء بالتأييد الأمريكي المبدئي بدفاع إسرائيل عن نفسها، بل منح إسرائيل هامشاً واسعاً ومستقلاً في فرض خياراتها، وإدارة صراعاتها وحروبها. ما يجعل السياسة الامريكية الحالية رهينة إيقاع إسرائيلي متفلت.

السابق
ماجستير بدرجة جيد جدًا للزميل نبيل مملوك
التالي
بعد ساعات من البحث: الحزب ينعي رسمياً السيد شكر.. والعين على نصرالله في يوم التشييع!