تجربة رفيق الحريري بين الرؤية والتطبيق

حارث سليمان

يوم كلفني منظمو هذا اللقاء بالمشاركة في مداخلاته، خشِيتُ ان أقعَ في ورطتين؛ الأولى هي التحدثُ بعد مداخلة الأستاذ رشيد درباس، وهي ورطة تربك كل من يَعقُبَه كلاماً او خطابَة، لأنه ياخذُ ألبابَ سامعِيه الى مرتفعٍ غنيٍ بجزالة المعاني وطلاوة المباني، وتاتي المقارنةُ لمن يليه ظالمةً، لكن الرشيدَ أعفاني من الورطةِ الأولى، فقَبِلَ أن اتداخل قبلَهُ، فزاد الى فصاحةِ لغتِه، وسلاسةِ بلاغتِه، سعةَ صدرِه وسموَّ مزاياه، وجمالَ طويَّتِه.

الورطة الثانية هي محاولة تقييم تجربةٍ، لشهيد مازال حيا في قلوب محبيه، فالرئيسُ رفيق الحريري، وإنْ أُودع في مثواه ودُفِنَ جسدُه، فإن نعشَهُ مازالَ محمولاً على الأكتافِ ولم تنتهي رمزيا مراسمُ تشييعِِه، ولا أُقفِلَتْ مواسمُ عزائِه، هي عادةٌ لبنانيةٌ، وقد تكون عربيةً واسلاميةً ومشرقية، فالشهداءُ لا تدفنُ منهُم الا أجسادِهم، امَّا معانيهم وقضاياهم وحتى عداواتهم، فتبقى ماثلةً كحقائقَ ثابتةِ يَصعُب تجاوزها، ولذلك كان التنزيل الحكيم؛ “ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياءٌ عند ربهم يرزقون” (ص)، ونستطيع أن نتذكر عشرات الشهداء في لبنان ينتمون الى بيئات مختلفة، ما زالوا أحياءَ في مخيال جماعاتهم، ويشكلون عصب لُحْمَةِ الجماعة ونبضِ وحدتِها وتضامنِها، ويشكل استعادتهم الى الحاضر الراهن كماض لم يمضِ، سلاحا يستعمله كل سياسي انتمى إليهم وكل وريث زعم اكمال مسيرتهم، واذا ما اضفنا الى هذا الاعتبار الحديث الشريف بأن “اذكروا محاسن موتاكم” يتحول تقييم التجربة والذي يفترض الموضوعية والتجرد، الى تأبين يستذكر محاسن الشهيد وفضائله ونجاحاته، و يتلافى جانبا اي نقد او إضاءة على عثراته واخفاقاته.

على الرغم من كل ذلك، لا بد من محاولة تقييم تجربة الرئيس الحريري بإيجابياتها ونجاحاتها، بسلبياتها وإخفاقاتها، وذلك لأن هذه التجربة كانت مشروعا متكاملا تصدى لثلاثة أمور هامة ومصيرية ؛ وهي إعادة إعمار لبنان بعد الحرب الأهلية اولا، واعادة بناء مؤسسات دولته الدستورية و مرافق الخدمات العامة والبنية التحتية فيها ثانيا، واعادة صياغة وظيفة لبنان الاقتصادية والاقليمية ثالثا، والمسائل الثلاثة هذه هي ما نحتاج إليه اليوم لأنها المعبر الوحيد لبقاء لبنان ولرفاه شعبه واستقرار أجياله فيه.

وعليه يتحول تقييم تجربة الحريري كصاحب مشروع متكامل الى حوار راهن يعالج ازمة راهنة ومستمرة.

عربيا قَدِمَ الحريري الى السياسة اللبنانية على أرضية تفاهم سعودي سوري، وكثَمرةٍ من ثِمارِ إقرار اتفاق الطائف، وتزامن تَسَلُّمَه السلطة بُعَيْدَ إنعقادِ مؤتمر مدريد لحل الصراع العربي الإسرائيلي، على قاعدة ” الأرض مقابل السلام”.

دوليا كان زمان وصوله الى السلطة عشية إنهيار الاتحاد السوفييتي وتفكك دُوَلِهِ وتعثر التجارب الاشتراكية، وسيادة نمط اقتصادي ليبرالي على المستوى العالمي، يعتمد اقتصاد السوق ويفتح حدود كيانات الدول، لحرية التجارة الدولية و عبور الأفراد والرساميل والسلع والخدمات.

لبنانيا كان الحريري محكوما بصنفين من أصناف “الشريك المضارب”، أمراء الحرب الذين خلعوا بذلات القتال ولبسوا تنكرا ياقات رجال الدولة، فيما بقيت بنيتهم وعقلياتهم ميليشياوية تمارس توظيف المحاسيب وجباية الخوة من داخل مؤسسات الدولة بديلا لجعالات استمرؤوا أخذها في الحرب الأهلية.

أمَّا الشريك المضارب الآخر فهم رجالات النظام المملوكي الأسدي في سورية، الذي لم يكتف باستيفاء خوة دائمة جارية ومتصاعدة، بل تولوا تقسيم وظائف السلطات العامة في لبنان وأدوار القوى السياسية، بين الحريري الذي يهتم ويتولى الاقتصاد والاعمار وعلاقات لبنان بدول الخليج والغرب، وبين منظومة ممانعة تتألف من جهتين الاولى هي نظام امني لبناني_سوري يخنق الحياة الفكرية والسياسية والاعلامية والحزبية، اما الثانية فهي جهوزية عسكرية شكَّلَ حزبُ الله عمادُها تحت راية مقاومة الاحتلال الاسرائيلي وادام عبر سنوات طوال، مساكنة مستهجنة وتجاورا بين طريقين واحد يستعجل الوصول الى دبي وآخر يرابط في متاريس هانوي…

كان الحريري يريد لبنان وبيروت ان يكونا مركزا اقليميا يتولى خدمات مصرفية وجامعية وثقافية وصحية واعلامية وأعمال وساطة وتسوق وسياحة وتجارة، وكان الوصي السوري يعتبر ان استكمال هذا المشروع ونجاحه سيجعل من دمشق وسورية الاسد ضاحية تابعة وهامشية لبيروت التي تبنى كمدينة للمستقبل، ولذلك حرص على إسناد دور للبنان، كصندوق بريد للرسائل الملتهبة في مناوشاته مع إسرائيل ودول الغرب.

أمَّا على المستوى الداخلي فكان تجديد الدور التاريخي لبيروت وتركيز ٧٠ % من النشاط الاقتصادي في نطاقها، في استعادة وتطوير للوضع الذي كانت عليه قبل الحرب، وبذلك تم تجاهل أحد العوامل الرئيسة الداخلية الذي انفجرت الحرب الاهلية بسببه، حيث جفت، قبل الحرب، عروق الأطراف في الشمال والجنوب والبقاع، واختنقت بيروت بضاحيتين شمالية وجنوبية، من نازحي الأرياف الذين نزحوا بحثا عن عمل او علم او خدمة، والذين شكلوا ضحايا الحرب المنقضية ووقودها ومشعلي اوارها.

كان الرئيس الحريري رجلا قويا بعلاقاته العربية وبصداقاته الدولية، وكان صاحب عزيمة وتصميم لتجاوز الصعاب وتخطي العراقيل، لذلك اعتبر أن الخوة التي تفرض على مشروعه تزيد كلفة المشروع دون أن تُفشِلَهُ، وكان مستعدا لدفع الزيادة في التكلفة من أجل السير قدما… وكانت هذه خطيئته الأصلية، وهو الانخراط والتعايش في نظام من طبيعتين الليبرالية – والخوة أو بتعبير آخر السلطة – الغنيمة وجوهر الكارثة التي حلت بلبنان هو قيام نظامٍ ليبرالي اقتصاديا موصول بنظام ميليشياوي، ويدار من نظام مملوكي حيث امراء الجند يديرون السلطة من خارج المؤسسات والقانون والإصول الديموقراطية، وللدلالة على خطورة هذا الأمر، سنذكر ( ٥) خمسة أمثلة في الصحة والمياه والكهرباء والاتصالات والنفط

1- مستشفيات عامة مستباحة وخاسرة
نفّذ الحريري مشروع قيام مستشفيات حكومية، حيث تم تمويل بنائها وتجهيزها من الدولة وسلمها لمجالس إدارة لتسييرها أو إدارتها وفقاً لمنطق المستشفى التجاري لتحقيق ربح ضئيل نسبة لما يحققه المستشفى الخاص، ويفترض بالمستشفى أن يتمتع باستقلال مالي وإداري، والنتيجة إن المستشفيات الحكومية كلها خاسرة، ونشهد إضرابات للعاملين فيها من أجل أن تدفع الدولة أجورهم! هل من مستشفى في لبنان يخسر غير المستشفى الحكومي؟ أما السبب فيعود إلى استباحته من قبل السياسيين سواء بالحشو الوظيفي و/أو الاستشفاء المجاني للمحاسيب وأساليب سلب ونهب أخرى.


2 _ في مصالح المياه التي جهّزتها الدولة وطوّرت مصادر المياه والينابيع بقروض دولية وعربية، ومدّت الشبكات، ووضعت العدّادات و أوصلت المياه إلى البيوت. أوكلت الدولة أعمال الصيانة والجباية لمصالح المياه، وهي مؤسسات عامة مستقلة ايضا، فكانت الخسارة! فهل لشركة تبيع مياها ان تخسر الا في لبنان!؟.

3_ اما في قطاع الخليوي الذي صمد رابحا حتى وصل إليه باسيل والصحناوي، وهذا القطاع أنشئ بصفقة مع مسؤولين سوريين كانوا الملاك الحقيقيين للقطاع متسترين بأسماء لبنانية، هي عبارة عن واجهات فقط، علماً أن التمويل الأول للتأسيس تأمّن من جيوب المشتركين الذين دفعوا آنذاك 500 دولار عن كل خط. عندما أتى الرئيس السابق للجمهورية الجنرال إميل لحود زعم استرداد القطاع إلى كنف الدولة، كان ذلك بدافع من الملاك الحقيقيين الراغبين باسترداد قيمة ملكيتهم للأسهم، أمّم لحود القطاع وأجبر الدولة على دفع تعويضات بعد تحكيم دولي.

كان القطاع يوفّر للخزينة سنوياً ملياراً ونصف مليار دولار إلى أن استلم القطاع الوزير جبران باسيل.. الذي غيَّر مع نقولا الصحناوي كل فلسفة العقد مع المشغل، فأصبحت الشركة تتقاضى بدلاً عن كلّ خط، وحوّلا كلفة الموظفين إلى عاتق الدولة، بعد أن زادا أعدادهم في الشركتين من نحو 1000 إلى أكثر من 2000 موظف.

تدنّت جودة الاتصالات، بعد زيادة الشركتين لعدد الخطوط عشوائياً. ولم يعد هناك حاجة لشركة ثالثة، كان يمكن أن تباع بثمن مالي عالٍ ونحن اليوم أمام قطاع خاسر بعدما بدأت الايرادات تتراجع بقوة منذ ما قبل هبوط سعر صرف الليرة.

4_ أما في وزارة الطاقة فأصناف فرض الخاوة متعددة، الأولى هي مافيا الفيول الموجودة منذ 1992. الشركة القابضة على هذه التجارة الى اليوم هي شريكة مع جهات سورية نافذة، أما مجموع سلف الخزينة للكهرباء لشراء الفيول، مع الفوائد المترتبة عليها فتصل إلى 50 مليار دولاراً.

5_ كما تصل الخسائر والأرباح المفوتة أو الضائعة في وزارة الطاقة إلى 100 مليار دولار، وهذا يشمل الهدر في الكهرباء ومشاريع السدود الفاشلة ومشاريع المياه المبتذلة وتجارة البنزين والفيول التي يدفع اللبنانيون كلفة نقله أضعاف الكلفة المقبولة عالمياً.

وتستمر وزارة الطاقة بالحفاظ على قطاع الكهرباء الخاسر والفاشل ملكا للدولة لتتحمل خسائره، فيما جرى خصخصة قطاع النفط الرابح وتقاسم غلاله من الاحزاب الطائفية وزعمائها.

أنجز الحريري سلسلة هامة ومقدرة من مشاريع البنى التحتية؛ (الهاتف الارضي والانترنت، المطار، مكننة الجمارك، المجمع الجامعي في الحدث، المدارس والمباني الحكومية الخ) حتى انتخاب الرئيس لحود، وأعاد للبنان دورا وحضورا، على المستوى العربي والدولي، خلال عهد الرئيس الهراوي، وعادت بيروت قبلة للعرب بكافة جنسياتهم، وارتفع الناتج المحلي الاجمالي من 5.8 مليار $ سنة ١٩٩٢ الى 21.16 مليار $ سنة ٢٠٠٤ ونجح في الوصول الى تفاهم نيسان الذي لجم العدوانية الاسرائيلية تجاه المدنيين في جنوب لبنان، لكنه أدرك أنّ محاولات تطويقه ومحاصرته قد استكملت عدتها مع وصول العماد لحود لرئاسة الجمهورية، وتسلم بشار الاسد ادارة الملف اللبناني في النظام السوري، واستنتج الحريري على الارجح ان استكمال النهوض في لبنان، و إنجاز تعافيه الاقتصادي يقتضي العمل على استعادة سيادة لبنان والسعي لانسحاب سوري متدرج من ربوعه.

عاد رفيق الحريري بعد الانتخابات النيابية سنة ٢٠٠٠ قويا ليواجه، انسحبت اسرائيل من جنوب لبنان، توفي حافظ الأسد، وصدر بيان المطارنة الموارنة الذي طالب بانسحاب الجيش السوري من لبنان، وحدثت مصالحة الجبل بين بكركي والمختارة، وتشكلت معارضة لبنانية عابرة للطوائف تطالب برفع الوصاية وانسحاب جيش سورية من لبنان.

كان الحريري اهدأ اصوات هذه المعارضة، والينهم خطابا، واقلهم صخبا، لكنه كان اوزنهم فعلا واكثرهم تأثيرا، لذلك تم استهدافه والتخلص منه.
بين الحريري صاحب المشروع الانمائي والاعماري، ورفيق الحريري السيادي اللبناني، كان هناك حريري ثالث هو الرجل الواثق من نفسه ومن صداقاته ومن حجمه، اذكر انه بعد التمديد للجنرال لحود في رئاسة الجمهورية ومحاولة اغتيال مروان حمادة، سألني الصحافي الصديق اسعد حيدر قائلاً ؛ انا ذاهب الى رفيق الحريري غدا، ما هي توقعاتك لما سيحدث، وتريد ان تبلغه اياها، اجبته على الفور، اما سيناريو رشيد كرامي واما سيناريو رينيه معوض!

ذهب اسعد عند الحريري وابلغه بما اتوقع، استفسر ليتأكد ان الأمر يعني اما اغتيال رئيس الجمهورية الممد له او اغتيال الحريري نفسه، اجابه بنعم، بعد اسبوعين كرر اسعد لي سؤاله ذاته من اجل ابلاغ الحريري به، أجبته لم يعد هناك الا احتمال واحد، سيناريو رشيد كرامي، ابلغ اسعد الحريري بما توقعته، انه سيجري اغتياله، اختلى باسعد حيدر جانبا وسأله هل تعتقد ان النظام السوري ذكي ام غبي، أجاب اسعد ذكي وذكي جدا، اجابه الحريري إذن لن يجرؤوا على ذلك، لانهم يعرفون ان ثمن ذلك سيكون غاليا جدا، رحمه الله لو كان أقل ثقة بذكاء الأسد وأكثر حذرا من اجرام منظومته وحلفائه.

مداخلة ألقيت خلال احتفال النادي الثقافي العربي ١٥ شباط ٢٠٢٤ _ فندق الرفييرا*

السابق
قوّة الرضوان: من قتال وحشي في الجرود الى الانقضاض على الجليل.. اليكم الرواية الكاملة!
التالي
لجنة التنسيق اللبنانيّة – الأميركية في لقاءَات مع الإدارة الأميركيّة والأمم المتّحدة: لتحييد لبنان وتطبيق الـ 1701