يثير الظهور المتكرر لـ”جنود الرب” في اماكن وسط العاصمة ولا سيما الملاهي الليلية وتحت ستار “مكافحة المثلية” مخاوفاً مسيحية من “التطرف المسيحي” بعدما ذاق اللبنانيون مرارة “التطرف الشيعي المسلح” والذي يقوده “حزب الله”.
النشأة: من هم جنود الرب؟
ورد اسم جنود الرب لأول مرّة في العام 2019، خلال الاعتراضات الشعبية على تنظيم حفل لفرقة “مشروع ليلى” في حي الجميزة التابع للمنطقة، على خلفية ترويج هذه الفرقة للشذوذ الجنسي. ومن اللافت أن هذه المجموعة يسوّقون بأنهم ضد الشذوذ الجنسي والإجهاض والزواج المدني، وضد كل ما يحاول الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية الترويج له، من ثقافة تتعارض مع الأديان السماوية وقيمها.
وعبّر كثير من اللبنانيين عن مخاوفهم من ظهور هذه الجماعات التي تدعي أنها مرسلة من الرب، وتقوم بأنشطة حماية وأمن ذاتي وبشعارات ولباس موحد، لاسيما وأن للبنانيين تجربة مع من سبقهم إلى ذلك، كحالة “حزب الله” الشيعي مثلاً، فحملت التسمية التي اختاروها لأنفسهم (جنود الرب) أبعادا أوحت بندّية معنوية لفكرة “حزب الله”، مطلوب تظهيرها في المقابل على الساحة المسيحية في لبنان.
وفي الوقت ذاته، قلل آخرون من خطر هذه المجموعة واعتبروا أنها ظاهرة طبيعية في بلد تتحلل فيه مظاهر وجود الدولة ويتراجع أداء السلطات الأمنية، حيث ستأخذ مجموعات محلية المبادرة لحماية مناطقها والتعبير عن وجودها كحاجة في الفترة الحالية، لاسيما فيما يخص الأمن الذاتي وحماية المناطق.
وبسيوف وصلبان مسننة، لباس أسود موحد، وعلى وقع التراتيل الدينية والصلوات، مجموعة شبان يطلقون على أنفسهم مسمى “جنود الرب” يخرجون على اللبنانيين بتحركات منظمة في شوارع منطقة الأشرفية في بيروت.
وأثار هذا قلقاً كبيراً وجدلاً لا حدود له في البلاد المنقسمة على نفسها سياسياً وطائفياً، تاركين أسئلة مفتوحة حول هويتهم وميولهم وأفكارهم ومعتقداتهم وأهدافهم والجهات الداعمة لهم، فيما الأجوبة عنهم ضئيلة جداً، ما زاد من حالة الغموض والارتياب العام.
إقرأ ايضاً: جنود الرب «يظهرون» مجدداً من بوابة «مكافحة المثليين»..ورفض لـ«الوجه المسيحي لحزب الله»!
لا يحبون الظهور الإعلامي، بحسب ما يؤكد “قائدهم” ، ولكن حضورهم قوي نسبياً على مواقع التواصل الاجتماعي. لا ينطقون إلا بكلام من “الكتاب المقدس” (الإنجيل)، فلا يناقشون بالسياسة، ولا يرضون “بالحسابات الأرضية” للأمور، وفق ما يصفونها، إنما يصبون جل اهتمامهم وحديثهم على “العالم الروحاني” الذي يعيشون فيه، تنفيذاً “لتعاليم الرب” التي “يبشرون بها” على حد تعبيرهم.
عادوا إلى الواجهة خلال الأيام الماضية في لبنان، بعد خلاف وقع في ساحة ساسين بمنطقة الأشرفية في العاشر من ديسمبر الماضي بين مجموعة شبان من خارج المنطقة ذات الأغلبية المسيحية، وصلت على دراجات نارية ترفع أعلام المغرب والأعلام الفلسطينية والسورية، احتفالاً بفوز منتخب المغرب وتأهله إلى الدور نصف النهائي من كأس العالم.
وما لبث أن تحول الاحتفال إلى إطلاق شعارات دينية ومذهبية ذات طابع إسلامي، أثارت استفزاز بعض الشبان المسيحيين في المنطقة، ما أدى إلى وقوع تضارب وخلاف كبير، تسلطت خلاله الأضواء على “جنود الرب” بعد تدخل عناصر منهم، قبل أن تفرق القوى الأمنية والعسكرية المتقاتلين.
وانتشرت بعدها على مواقع التواصل الاجتماعي التحذيرات من “جنود الرب” ومن سلوك أفرادها، حيث تلقوا اتهامات عدة بالتطرف والمغالاة، وتنفيذ أجندات مشبوهة، وبكونهم شرارة من شأنها تفجير حرب أهلية في لبنان.
وعلى الرغم من محاولة إلباسهم ثوب المواجهة المناطقية والطائفية وإعطاء وجودهم ونشاطاتهم أبعاداً سياسية، إلا أن أبرز مواجهات “جنود الرب” لم تكن انطلاقا من ذلك، وإنما جاء بروزهم على حساب قضية المثليين جنسياً في لبنان، بخاصة وأن ظهورهم الأول، عام 2019، ارتبط بمعارضة إقامة حفل موسيقي لفرقة “مشروع ليلى”، التي تضم بين أفرادها مثليين جنسياً والمعروفة بمناصرتها لحقوق المثليين.
ثم بلغوا أوج تعبيرهم عن تواجدهم في شهر يونيو من هذا العام، بتحطيم أفراد المجموعة إعلانا من الزهور الملونة المنسقة وفقا لألوان قوس قزح، الذي يعتبر رمزا لمجتمع “ميم عين+”.
انتشرت حينها مقاطع مصورة لشباب ملتحين يلبسون اللون الأسود وعلى ثيابهم شعار “جنود الرب”، يمارسون الترهيب ويتوعدون ويهددون “المروجين للمثلية الجنسية” ويتعهدون بمنعهم من التعبير عن تواجدهم ورفع شعاراتهم في منطقة الأشرفية، أو “أرض الرب” كما وصفوها.
تردد اسمهم مجدداً في اعتداء آخر طاول عملاً فنياً معروضاً في ساحة ساسين، في أكتوبر الماضي، يهدف لدعم مرضى سرطان الثدي، حيث جرى تحطيم مجسمات عرض ملابس للفنانة ميرنا معلوف لكون بعضها يحمل ألوان قوس قزح، فيما فُهم المعرض على أنه “ترويج للعري والمثلية”، لينتهي الأمر بتحطيمه هو الآخر، قبل أن يتوضح سوء الفهم للمعرض وتعاد المجسمات إلى الساحة.
من مظاهر تحلل الدولة
سبق لتقارير إعلامية أن تحدثت عن دور لهم في المواجهات الطائفية التي شهدتها منطقة الطيونة، في أكتوبر 2021، حيث اتهمتهم بممارسة دور تحريضي قبل ليلة من الواقعة، في شوارع المناطق ذات الأغلبية المسيحية، وعبر مواقع التواصل الاجتماعي، إضافة إلى انتشار لهم في شوارع الأشرفية وعين الرمانة، خلال الأحداث.
كما يدور كلام عن مهمات أمن ذاتي وحراسة يقومون بها ضمن نطاق منطقة الأشرفية، وتظهر مقاطع مصورة لهم في دوريات يسيّرونها ضمن أحياء الأشرفية، فيما يقدمون أنفسهم كمدافعين عن المنطقة بوجه “الغرباء” والتهديدات الأخرى “كالأفكار الشيطانية” والمخدرات والسرقات، وهو ما بات يمنحهم قبولا شعبياً متنامياً، ونتيجة للواقع الأمني المتهالك وتراجع حضور السلطات الرسمية وأجهزتها، بفعل الانهيار الحاصل على مستويات عدة في لبنان.

