يُشكِّلُ الخوفُ الجَمعي، أو خَوفُ الجماعة، أحدَ أهمِّ البواعث التي دفعتِ الإنسان، فردًا وجماعةً، إلى التَّكتُّلِ في جماعةٍ أكبر لمواجهةِ خوفِه وتوجُّسِه من العالَم المَحيطِ به من جهة، ومن جماعاتٍ إنسانيَّةٍ أخرى من جهةٍ ثانية. وأدَّى هذا التَّكتُّلُ، مع عواملَ أُخرى، إلى تَعقيدِ العِلاقة الإنسانيَّة التي أنتجتِ المُجتمعات، والدُّولَ من وراء ذلك. ومعَ تطوُّرِ السِّياسةِ وتحوُّلِها إلى عالمٍ له قوانينُه الخاصَّة تحوَّلَ الخَوفُ من حالةٍ طَبَعيَّةٍ تفرضُ نفسَها على السِّياسة، بمعناها العام، إلى حالةٍ تفرضُها السِّياسةُ، بمعناها الحديث، على «الشَّعب»، أو «الجماعة». وبالتالي، صارَ الخوفُ أداةً من أدواتِ العمل السِّياسي، ووسيلةً من وسائل السَّيطرةِ على «الجماعة».
بعدَ تشكُّلِ الكِيان اللُّبناني و«استقلالِه» وما رافقَ ذلك من تطوُّراتٍ وتحوُّلاتٍ في المنطقة العربيَّة، والتي كان أبرزُها إنشاء «دولة إسرائيل»، أُدخلَ الخوفُ الجمعي في عمليَّةٍ تَخفيضيَّة حوَّلتْه من «خوف اللُّبنانيين» إلى خوفِ الطَّائفة، ممَّا جعلَ هذا الخوفَ مُبرِّرًا للتَّسلُّحِ وما ينتجُ عن ذلك من شعورٍ بالاستعلاء على مَن يُفترضُ بهم أنَّهم «شُركاء في وطنٍ واحدٍ».
ولعلَّ أحدَ أهمِّ أسبابِ الحرب الأهليَّة اللُّبنانيَّة، هو ادِّعاءُ كُلِّ طائفةٍ، أو فريقٍ، أنَّه يشعرُ بخوفٍ كِيانيٍّ، أو وجوديٍّ، يختلفُ عن الخوف الكِياني/ الوجودي الذي تشعرُ به الطَّائفةُ الأخُرى، إذْ أنَّ ادِّعاءً كهذا يعني بمُقتضى الضَّرورةِ المَنطقيَّة، أنْ ليسَ ثمَّةَ كِيانٌ ووجودٌ واحدٌ يكونُ الاختلافُ فيه أمرًا طَبَعيًّا، بل كِياناتٌ ووجوداتٌ ليستْ مُتباينةً وحسب، بل مُتناحرةً ومُتلاغية. وقد تَبيَّنَ بما لا سبيل إلى إنكارِه أنَّ ادِّعاءً كهذا لم يكن ليُؤدِّي إلَّا إلى ما أدَّى إليه من حربٍ ابتُدِئتْ خارجَ لُبنان وأُنهِيَتْ خارجَه أيضًا.
ليسَ ادِّعاءُ «خوف الطَّائفة» هو ذاتَ المُشكلةِ بقدرِ ما هو دليلٌ على مُشكلةٍ، هي أعمقُ وأكثرُ تجذُّرًا في «المَشروع» السِّياسي الذي يحملُه صاحبُ هذا الادِّعاء من جِهة، وفي طبيعةِ عِلاقةِ هذا «المَشروع» مع فِكرة الدَّولة بغضِّ النَّظرِ عن واقعِها المأزوم.
ولعلَّ الطَّائفةَ الشِّيعيَّةَ في لبنان هي اليوم الطَّائفةُ الأولى، ورُبَّما الوحيدة، التي يدِّعي مُحتكرا تمثيلِها، وحزب الله على وجه الخصوص، هذا النَّوعَ من الخوف، أي خوفُهم من حيثُ هُم شيعة وليسَ من حيثُ هم لُبنانيَّون. ولا غرابةَ أنَّ «مصدرَ» هذا الخوفِ هو «إسرائيل» التي تُشكِّلُ تهديدًا حقيقيًّا لا يَخفى أنَّ الجنوبَ اللُّبناني هو أوَّلُ المُهدَّدين به، بحُكمِ الجُغرافيا التي جعلتْ منَ الجنوب واجهةَ لُبنان العسكريَّةضِدَّ «إسرائيل»، إذا جاز التَّعبير، خاصَّةً بعدَ إقفال «الجَبهتَيْن» المصريَّة والسَّوريَّة بعد حرب 1973. وبعدَ ظهور التَّنظيماتِ الإرهابيَّة في سوريا، عقبَ حربِها الأهليَّة أُضيفَتْ، في خِطاب حزب الله ومؤيِّديه، هذه التَّنظيماتِ على لائحةِ الأعداء التي تتهدَّدُ الطَّائفة الشِّيعيَّة.
ليسَ ادِّعاءُ «خوف الطَّائفة» هو ذاتَ المُشكلةِ بقدرِ ما هو دليلٌ على مُشكلةٍ، هي أعمقُ وأكثرُ تجذُّرًا في «المَشروع» السِّياسي
بعيدًا عنِ الخطر الحقيقي الذي تُشكِّلُه «إسرائيل» و«التَّنظيمات الإرهابيَّة» على لُبنان، بَيدَ أنَّ مسألةً أساسيَّةً وتأسيسيَّةً، لا بُدَّ من تَقعيدَها قاعدةً ضروريَّةً لعَدم قيامِ تناقُضٍ جوهريٍّ، بين فِكرتَيْ «المقاومة» و«الوطنيَّة».
إنَّ هذا الخطر لا يتهدَّدُ الطَّائفةَ الشِّيعيَّةَ دونَ غيرِها من الطَّوائفِ اللُّبنانيَّة، لعِدَّةِ اعتباراتٍ، أَوْجَهُها أنَّ الطَّائفةَ الشِّيعيَّة لها امتدادٌ على أكثر الأراضي اللُّبنانيَّة وإن كانتْ مُتركِّزةً بشكلٍ أساسيٍّ في مناطقَ دونَ غيرِها، ومن جهةٍ أُخرى فإنَّ «المشروع الإسرائيلي»، يتهدَّدُ الفِكرةَ الكامنةَ وراء الكيان اللُّبناني برُمَّتِه، ويُشكِّلُ خطرًا على النَّموذج اللُّبناني، الذي كانَ قائمًا على المستويَيْن الاقتصادي والاجتماعي. وتاليًا، فإنَّ هذا الخوفَ من «إسرائيل»، هو خوفٌ مشروعٌ لكُلِّ اللُّبنانيين، وليسَ للطَّائفةِ الشِّيعيَّة وحدَها، وبالتَّالي، فإنَّ المَعني في «المقاومة» هم كُلُّ اللُّبنانيين، باعتبار أنَّ الاعتداء على منطقةٍ من الوَطن هو اعتداءٌ على كُلِّ الوَطن، إذْ أنَّ الأوطان لا تتجزَّأ.
عملًا بهذا التَّغريب، يُصارُ إلى جعلِ الطَّائفةِ الشِّيعيَّةِ في لُبنان، غريبةً عن شيعيَّتِها وعن لُبنانيَّتِها على حدٍّ سَواء
إنَّ القَولَ بوجودٍ خوفٍ خاصٍّ عندَ الطَّائفةِ الشِّيعيَّة من «إسرائيل»، يختلفُ جوهريًا عن خوفِ اللُّبنانيين منها هو، فضلًا عن كَونِه ساقطًا لعدَّةِ اعتبارات، مُبرِّرٌ يَعمَدُ إليه حزب الله، لتبرير احتكارِه ل «المقاومة»، بعدَ أنِ احتكرَ تمثيلَ الطَّائفةِ الشِّيعيَّة «المُهدَّدة».
إنَّ الذي لا يَجبُ أن يؤخذَ أخذَ المُسلَّمات، هو اختزالُ المُقاومةِ بحزب الله بقَدْرِ ما، لا يُمكنُنا أن نختزلَ حزب الله ب «المقاومة»، فالذي يَجري الآن هو عمليَّةُ تَغريبٍ للطَّائفةِ الشِّيعيَّةِ، حتَّى عن «المَشروع السِّياسي» الذي طرحَه موسى الصَّدر في ستِّينات القرن الماضي. وعملًا بهذا التَّغريب، يُصارُ إلى جعلِ الطَّائفةِ الشِّيعيَّةِ في لُبنان، غريبةً عن شيعيَّتِها وعن لُبنانيَّتِها على حدٍّ سَواء.

