ليس غريباً عن الدول العربية مساعدة شقيقها الاصغر لبنان، ولطالما كانت السبّاقة في ذلك من خلال دعم اقتصاده، عبر ضخّ أموال طائلة بين استثمارات ومساعدات، ومنح وهبات وقروض ميسّرة وودائع في البنوك، فضلاً عن المساهمة في إعادة إعمار ما هدّمه العدوان الإسرائيلي الغاشم.
تحوّلت من تصريف أعمال إلى فرض ضرائب ورسوم وجباية أموال تارة بـ “الشحادة” من الأشقاء العرب والدول المانحة وأخرى بحجز أموال المودعين وثالثة من جيوب المواطنين
ولكنّ الغريب، بل المستغرب والمستهجن، هو التصرّف اللامسؤول لمسؤول غير مسؤول في حكومة، تحوّلت من تصريف أعمال إلى فرض ضرائب ورسوم وجباية أموال، تارة بـ “الشحادة” من الأشقاء العرب والدول المانحة ،وأخرى بحجز أموال المودعين، وثالثة من جيوب المواطنين، حيث قام وزير الإقتصاد والتجارة اللبناني أمين سلام، متجاهلاً أبسط الأعراف السياسيّة واللياقات الدبلوماسيّة، بالطلب من دولة الكويت تمويل إعاده إعمار إهراءات القمح في مرفأ بيروت، مشيراً إلى توفّر الأموال لدى صندوق التنمية الكويتي، معتبراً أن الموضوع يمكن أن يتحقّق بـ “شخطه قلم”. كأنّ معاليه يخاطب زميلاً له في الحكومة، ففقط في لبنان بشخطة قلم ترفع الأسعار وبشخطة قلم تفرض الضرائب والرسوم، وبشخطة قلم تظلم الناس، ولأجل شخطة قلم يقف المواطن ساعات في الطابور لإنجاز معاملة، غالباً ما تكون ملحّة. أمّا الكويت دولة القانون والمؤسّسات، حيث الدستور يعلو ولا يُعلى عليه، فشخطة القلم لابدّ أن تكون دستوريّة.
تصريح الوزير اللبناني أثار موجة غضب عارمة في الوسط الكويتي، ما استدعى ردوداً كان أبرزها من وزير الخارجية الكويتي الشيخ سالم الصباح، الذي اعرب عن استنكار واستغراب الكويت الشديدين لتصريح وزير الإقتصاد، واصفاً إيّاه، بأنه يتنافى مع أبسط الأعراف السياسيّه، ويعكس فهماً قاصراً لطبيعة اتّخاذ القرارات في دولة الكويت، والمبنيّة على الأسس الدستورية والمؤسساتية، بما في ذلك المنح والقروض الإنسانية، التي تقدّمها حكومة دولة الكويت للدول الشقيقة والصديقة.
تاريخ الكويت حافلاً بمساعدة أشقائها وأصدقائها لا سيّما لبنان منذ عام 1966 ولغايه الأمس القريب في عام 2022
تاريخ الكويت حافلاً بمساعدة أشقائها وأصدقائها، لا سيّما لبنان منذ عام 1966 ولغايه الأمس القريب في عام 2022، ومن أهم المشاريع التي موّلتها ودعمتها : بناء صوامع الحبوب في مرفا بيروت عام 1968، تطوير مطار بيروت، وبناء متحف بيروت التاريخي، وتوسعه مستشفى النبطية الحكومي، فضلاً عن إعمار ما هدّمه العدوان الإسرائيلي في اعتداءاته المتكرّره على لبنان.
ولا ننسى المملكة العربية السعودية التي تعتبر أيضاً من أكبر الدول المانحة، فقد وثّق تقرير دوليّ عام 2016، حجم المساعدات التي قدمتها للبنان بين عامي 1990 و 2015، حوالي 70 مليار دولار.
لقد أهدرت الحكومات اللبنانية المتعاقبة مليارات الدولارات من أموال المساعدات، بسبب الفساد المستشري والمحسوبيّات، التي مكّنت الأحزاب والقوى السياسيّة اللبنانيّة المسؤولة عن هذا الهدر، من التربّع على عرش الدولة والتسلّط على خيراتها ومقدّراتها، الأمر الذي جعل الدول المانحة، تفقد ثقتها بهذه الحكومات، وقد بدا ذلك جليّاً في كانون الثاني 2022، حيث قدّمت الكويت مبادرة خليجيّة حول لبنان، لاعادة الثقة بالحكومة اللبنانيّة، تتضمن 12 بنداً أبرزها: التزام لبنان بمسار الإصلاح السياسيّ والإقتصاديّ والماليّ، واعتماد سياسة النأي بالنفس وإعادة إحيائها بعد تعرّضها لشوائب وتجاوزات كثيرة، واحترام سيادة الدول العربية والخليجية، ووقف التدخل السياسيّ والإعلاميّ والعسكريّ فيها… بنودٌ وإن التزمت بها الحكومة اللبنانيّة وقتها، لكنها ما زالت حتى يومنا هذا حبراً على ورق.
فلماذا لا تطالب الحكومة اللبنانيّة أحزابها والقوى السياسيّة الذين يراكمون ويكتنزون الأموال والثروات لدرجة أنّ أسماء بعضهم بات يتصدّر لائحة أثرياء العالم بإعادة إعمار إهراءات القمح في المرفأ؟
فلماذا لا تطالب الحكومة اللبنانيّة أحزابها والقوى السياسيّة، “الذين يراكمون ويكتنزون الأموال والثروات، لدرجة أنّ أسماء بعضهم بات يتصدّر لائحة أثرياء العالم” بإعادة إعمار إهراءات القمح في المرفأ؟ ولماذا لم يقم المسؤولون بوضع أموالهم في المصارف اللبنانيّة، لدعم الإقتصاد اللبنانيّ بدل تهريبها الى الخارج، وإلى متى سيظلّ اللبنانيّ أسير تصرّفات حكومته الرعناء؟!

