أيام قلائل تفصلنا عن عاشوراء، عاشوراء الملحمة الأبدية، والصرخة الثورية، والمواقف البطولة، عاشوراء مدرسة في الإباء أسّسها العظماء فخرّجت آلاف الشرفاء حتى احتار في وصفها العلماء، والأدباء، والشعراء.
في مثل هذه الأيام وقبل أكثر من 1380 عاماً كانت قافلة الإمام الحسين عليه السلام في طريقها إلى العراق قافلة نورانية لآل بيت رسول اللّٰه صلى الله عليه وآله، قافلة سيّرها ظلم الحاكم وسياسته الفاسدة، فخرجت تلبّي نداء المظلومين بعد أن استغاثوا بها. آلاف الرسائل وصلت من الكوفيين، “أن أقبل يا ابن رسول الله.. فإنما تقبل على جندٍ لك مجنّدة… فقد اخضر الجناب واينعت الثمار وأورقت الأشجار” . فما أن أقبل حتى تبيّن أن الجناب يابس، والثمار عفنة والأوراق متساقطة، والجنود المجندة متخاذلة، فلم يكذب الفرزدق عندما أجاب الإمام عليه السلام لما سأله عن حال أهل الكوفة حيث قال:” قلوبهم معك وسيوفهم عليك..”
ثورة عرّف عنها الإمام الحسين عليه السلام قائلاً: “إنما خرجت لطلب الإصلاح”، ثورة ضد الظالم ايًّا كان الظالم، حاكمًا أو محكوماً، ثورة ضد ضعاف النفوس، وتجّار الذمم والمتخاذلين والخنوعين.
ثورة شعارها الكلمة، وقوامها السيف، وعمادها الدماء. ثورة الإنسان كل إنسان.
ثورة شاركت فيها كل فئات المجتمع، من رجل وامرأة، شيخ وشاب، كهل ورضيع، مسلم ومسيحي، بصري وحجازي ويمني… جميعهم اتحدوا لطلب الإصلاح، رافضين العار فعندهم الموت أولى من ركوب العار… ثبتوا وضحّوا.. فعلت أصواتهم فوق أصوات السيوف والخناجر والرماح، يتردّد صداها كل حين… “لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل..” ثبتوا وضحّوا.. فخلّدهم التاريخ ومجّدتهم الأمم وأصبحت مراقدهم كعبة الثوّار، والحسين أيقونتهم الخالدة.
بوضوحٍ قالها الإمام الحسين عليه السلام “مثلي (الحق) لا يبايع مثله (الباطل)” ، الباطل الذي كان يتستّر بغطاءٍ دينيٍ (بنو أمية، بغطاء الدولة الإسلامية) ولكن للأسف فكم من فئة تدّعي التبعيّة للإمام الحسين، وتتباكى عليه وواقعاً هم أسوأ من الأمويّين وقد سبقهم على ذلك العباسيّون حيث ادّعوا التبعيّة لآل البيت عليهم السلام، لكنهم نكّلوا بهم حتى قال الشاعر :” يا ليت جور بني مروان عاد لنا وعدل بني العباس في النار” .
ما أحوجنا إليك سيدي يا حسين، وخاصّة في هذا الزمن الذي كثر فيه المتخاذلون، وتفرعَن علينا المسؤولون، فها هو الحق لا يعمل به والباطل لا يتناهى عنه…

