حَمَلَت أمّي محْفَظَتها ومَشت. رحيلٌ بلا وداع، تاركةً إيّانا أيتاماً على مائدة اللئام في وطنٍ مزّقته الكراهية. هي هوت قبلَ عامٍ ونيّف، وما زلتُ وسأبقى أبحثُ عن وجهٍ كوجهها، وعن عينين كعينيها. أبحثُ عن سنديانةٍ أستظلُها في غيابِها.
أيتها الراقدة في سكونِ خلّة الستّ، القابضةُ على ريحِ شرتا والمجدول، لا تغضّي الطرْفَ وأنظري إلينا. أيتُها الراقدة بعد 91 عاماً من الجري وراء الحياة بكرامة، لنفسكِ ولأولادكِ وأحفادكِ وأولادهم.
أمّي لم تعطنا الحياة وحسب، إنّما علّمتنا حب الحياة وعيشها مع بعضنا ومع الآخرين.
نحن نعلم أنكِ حيث ترقدين ما زلتِ أنتِ أنتِ، بالسؤال عنّا حيناً، وبالاطمئنان عنّا أحياناً.
اقرأ أيضاً: «سوق العِتَق» في البسطة البيروتية تُحف تروي الذكريات والحكايات
مَن ذا الذي أعطاكِ هذه القدرات، من أيّ مقلعِ صخرٍ في عين إبل اقتلعك السيل وحَطَكِ في بيروت. من أيّ عينٍ شرِبتِ وفي أية مدرسةٍ درستِ، في أيّ حواكير لعبتِ، وأيّ بيادر قفزتِ، وفي أيّ كنيسة صليتِ، تضرّعتِ ونذرتِ.
على وقعِ الحروبِ والتهجير تزوجتِ، وفي ليالي الأزمات أنجبتِ، وفي خوفِ الثورات أرضعتِ. لم أعرفك إلا أمّاً حاملاً تارةً، ومرضعةً تارةً أخرى، ثمّ حاملاً من جديد بالبنينِ والبناتِ.
كيفَ سَكَنَت ريحك وهَدَأ موجكِ وَخَفَتَ نورك. كنتِ يا أمّي غُمراً. كنتِ مَهْراً. كنتِ عُمراً أعطى عُمراً. كنتِ حياةً مدّت في حياةِ الكثيرين. كنتِ سرّاً باح بسرِه للآخرين. كنتِ سحراً سَحَرَ بسحرِه المُقرّبين، وزهراً فاح زهرُه للبعيدين.
ارحَمْ يا ربّ أمّي بعظيمِ رَحْمَتِك، مثلما أنْصفتَها في حياتِها وأعطيتها ما تستحقّ من كرامة الحياة، ارحمها في مَماتها وأقمْها بين الأبرارِ والصدّيقين.

