وفي هذا الإطار، كشف مصدر دبلوماسي أوروبي رفيع لـ"الجمهورية" أن هذه المبادرة الأوروبية "تدفع بقوة في اتجاه تأليف حكومة وحدة وطنية بكل ما للكلمة من معنى، لا تكون برئاسة الرئيس سعد الحريري ولا برئاسة الرئيس نجيب ميقاتي، بل تترأسها شخصية سنية معتدلة ترضى عنها قوى 8 آذار وقوى 14 آذار التي نزعت صفة الوسطيّة عن ميقاتي، وباتت تتهمه بأنه طرف بعد قبوله بتسميته من الفريق الآخر لتكليفه.
وإذ لفت المصدر إلى أنّ هذه الحكومة من شأنها أن تضمّ وزراء من الطرفين يعملان معا لتجنيب لبنان تداعيات المرحلة، لم يشأ الكشف عن مزيد من التفاصيل في انتظار نضج المبادرة. لكنّه أكد "جدية العمل" في هذا الاتجاه، متوقعا "أن تتبلور المبادرة في وقت قريب جدا".
تجدر الإشارة إلى أن رئيس "جبهة النضال الوطني" النائب وليد جنبلاط كان زار باريس خلال الأيام القليلة المنصرمة، وأجرى محادثات مع المسؤولين الفرنسيين لم يشأ الكشف عن طبيعتها.
صدى الخطاب الأميركي
وفي هذا الوقت ظلّت أصداء خطاب أوباما تتردّد في الأروقة الدولية والعربية، إذ لقي ترحيبا دوليا وانتقادا إسرائيليا وإيرانيا وفلسطينيا، بينما لم تجد فيه سوريا جديدا.
وفيما يستعدّ أوباما للتوجه إلى فرنسا وعقد لقاءات مع نظيريه الروسي والفرنسي ورئيس الوزراء الياباني، خلال قمة مجموعة الـ8 الأسبوع المقبل، نقل مساعد وزيرة خارجيته لشؤون الشرق الأدنى وشمال إفريقيا جيفري فيلتمان رسالة إلى المسؤولين اللبنانيين كرّر فيها معارضة بلاده استخدام العنف والقمع وحماية حق حرية التعبير والتجمّع السلمي وحرية المعتقد الديني والمساواة، مؤكدا أنّ المجتمع الدولي سيُقَيِّم علاقته بأيّ حكومة جديدة في لبنان على أساس تركيبة مجلس الوزراء المقبل والبيان الوزاري والتزامات لبنان الدولية ولا سيما منها المحكمة. ودعا "النظام السوري ومؤيديه إلى الامتناع عن مزيد من أعمال العنف وغيرها من انتهاكات حقوق الإنسان".
في هذا الوقت، أعلن أوباما خلال لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو مساء أمس أنّه اتّفق معه على أنَّ "ربيع الثورات العربية يشكّل فرصة وتحديا في الوقت نفسه"، معتبرا أنّ "سوريا مصدر قلق شديد للولايات المتحدة وإسرائيل". وأشار إلى وجود خلافات مع إسرائيل حول عملية السلام.
من جهته، أعلن نتانياهو رفضه إقامة الدولة الفلسطينية المنشودة على خطوط العام 1967 التي اعتبر أنه "لا يمكن الدفاع عنها". وخيّر الرئيس الفلسطيني محمود عباس بين التحالف مع "حماس" والسلام مع إسرائيل.
وردّ المتحدث باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة على تصريحات نتانياهو واعتبرها "إعلانا رسميا" لرفض إسرائيل مبادرة أوباما. وقال ردا على قول نتانياهو إن على عباس الاختيار بين التحالف مع "حماس" أو السلام مع إسرائيل، قال أبو ردينة "إنّ المصالحة الفلسطينية هي شأن فلسطيني داخلي ليس لاحد علاقة به". واعتبر أنّ ما ذكره نتانياهو "مرفوض وغير مقبول"، داعيا أوباما واللجنة الرباعية إلى "إجبار إسرائيل على القبول بالمرجعيات الدولية والقبول بدولة فلسطينية على حدود العام 1967".
كلينتون ونظام الأسد
وكانت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون قالت إنّ على الأسد "أن يقود عملية التغيير في سوريا أو يتنحّى جانبا. وللأسف، الأدلّة إلى الآن لا تشير إلى أنّه يقوم بهذا النوع من القيادة كما هو مطلوب". ولفتت إلى "أنّ أوباما كان واضحا جدا عندما قال إنّ ما نريده هو مواصلة دعم الأصوات الديمقراطية وأولئك الذين يقفون ضد الوحشية. ولكنّ الإدارة الأميركية تدرك جيدا أن لكل حالة خصوصيتها. فالأسد قال كثيرا من الأشياء التي لم نسمعها من زعماء آخرين في المنطقة، حول هذا النوع من التغييرات المطلوبة. فقد تكون لديه فرصة واحدة أخيرة". وأكّدت "أنّ ما تقوم به الولايات المتحدة في شأن سوريا هو بالضبط ما قاله أوباما: إمّا أداء عملية "الانتقال" أو التنحّي جانبا. كيف سيحدث ذلك، الأمر متروك للشعب السوري".
رد سوري
وفي وقت اجتاحت جمعة آزادي المدن والمحافظات السورية مودية هذه المرة باربعة وثلاثين قتيلا (التفاصيل ص16)، لم ترَ سوريا جديدا في خطاب أوباما "الذي أكّد التزام الولايات المتحدة الراسخ وغير القابل للتزعزع، أمن إسرائيل ووقوفها ضد أي محاولة لانتقادها في المجتمع الدولي". واعتبرت أنّ دعوته الحكومة السوريّة إلى البدء بحوار جادّ من أجل عملية التحوّل الديمقراطي "محاولة مكشوفة لصرف الأنظار عن ممارسته التحريض وحضّه على العنف في سوريا". وقالت إنّ الخطاب "كان فجّا في انتقائيته ولم يخفِ آماله في إمكان احتواء ما جرى في مصر وتونس والعودة بالبلدين إلى الحظيرة الأميركيّة".
… وثبات روسي
وأوضحت روسيا أنها لم تغيّر موقفها من الوضع في سوريا وسبل معالجته. وقال الناطق الرسمي باسم الخارجية ألكسندر لوكاشيفيتش "إنّ موسكو تدرس بدقة خطاب أوباما، مُذكّرا بموقف الرئيس ديمتري مدفيديف الرافض تأييد إصدارمجلس الأمن قرارا في شأن سوريا مماثلا لقراره 1973 في شأن ليبيا".
قلق فرنسي
وأملت فرنسا في أن تتمخض محادثات الاتحاد الأوروبي الاثنين المقبل عن نتائج ملموسة. وأشاد وزير الخارجية آلان جوبيه بخطاب أوباما، وأعلن نيّته زيارة الشرق الأوسط وواشنطن في الأيام المقبلة للبحث في إطلاق المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية. وقال: "إنّ رسالة الرئيس الأميركي تتفق مع رسالة فرنسا، والربيع العربي ينطوي على أمل كبير، ومن مصلحتنا دعمه بلا كلل، وأي قمع هو غير مقبول، وعلى الأسرة الدولية تحمّل مسؤولياتها لإعلاء شأن الحوار على القوة".
وقال المتحدث باسم الخارجية برنار فاليرو إنّ حكومته "لا تزال تعرب عن قلقها الشديد إزاء العنف المتصاعد في سوريا، وهي تدعو دمشق إلى السماح لوسائل الإعلام الأجنبية بتغطية الأحداث والإفراج عن المعتقلين السياسيين". وامتنع عن الإقرار بأنّ بلاده ترغب في فرض عقوبات على الأسد، لكنّه أشار إلى أن "باريس تؤيد فرض مزيد من العقوبات على مسؤولين سوريين كبار". وذكر أنّ "العمل على فرض عقوبات تكميلية يجب أن يكون حاسما"، رافضا التعليق على خطاب أوباما.
مصادر أوروبية
وذكرت مصادر دبلوماسية مطّلعة أن الدول الأوروبية متفقة على إضافة اسم الأسد و6 مسؤولين آخرين إلى لائحة العقوبات، وأن وزراء خارجية الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي سيعلنون حزمة جديدة من العقوبات. وعزت سبب تأجيل إعلان إضافة اسم الأسد إلى لائحة الشخصيات التي تطاولها العقوبات إلى رغبة أوروبية في منحه فرصة جديدة. لكنّها أكّدت وجود اقتناع بأن هذا الاحتمال يبقى ضعيفا.
ورحّبت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي كاترين أشتون بتأكيد أوباما أن "الحدود بين إسرائيل وفلسطين يجب أن تستند إلى حدود 1967 مع تبادل أراض يتفق عليه الجانبان، بحيث تكون الحدود ثابتة ومعترفا بها من قبلهما".
ومن جهته، أعلن وزير الخارجية البولندية رادوسلاف سيكورسكي، إثر لقاء مع نظيريه الفرنسي آلان جوبيه والألماني غيدو فسترفيلي، أن بلادهم "تدعم الرسالة الشجاعة لأوباما حول الحاجة الملحّة إلى حلّ النزاع في الشرق الأوسط".
وأيّدت ألمانيا خطاب أوباما، مؤكدة "أنّ استناد اتفاق السلام إلى حدود إسرائيل العام 1967 قد يكون مخرجا للتقدم إلى الأمام". واعتبر وزير الخارجية غيدو فسترفيلي الخطاب "إشارة قوية إلى نيّة واشنطن القوية إحياء عملية السلام والوقوف إلى جانب كل من ينشد الديمقراطية والحرية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا".
الأمم المتحدة
ولاحظت الأمم المتحدة أنّ الخطاب "اشتمل على أفكار مهمة للمضي قدما في محادثات السلام في الشرق الأوسط، وحضّ أمينها العام بان كي مون القادة الفلسطينيين والإسرائيليين على "الاستجابة لها بإيجابية". وأمل في أن "تظهر كل الأطراف عزما متجددا للوصول إلى اتفاق سلام يوفّر لكلا الدولتين العيش جنبا إلى جنب بكرامة وامن وسلام".
وأعلنت اللجنة الرباعية للشرق الأوسط "دعمها القوي" للأفكار التي طرحها أوباما في شأن السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين.
في ظل الأجواء الإقليمية الملبّدة وأخطار المرحلة المقبلة والتي دفعت الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى رسم سياسة جديدة للتعاطي مع منطقة الشرق الأوسط، وبعد الانقسام العمودي بين طرفي النزاع في لبنان، واحتدام الاصطفاف السياسي والمذهبي. وفي ضوء الفراغ الهائل الذي يتحكم في مفاصل البلاد الأساسية، بفعل وجود حكومة تصريف أعمال لا تعمل وحكومة موعودة لم تولد، تندفع إلى الواجهة في الأيام القليلة المقبلة مبادرة أوروبية يُعمَل عليها خلف الكواليس راهنا، بهدف إنقاذ لبنان وتحصين ساحته لدرء الأخطار المحدقة به.
وفي المقابل، استنكرت حركة "حماس" ما ورد في خطاب أوباما عن القضية الفلسطينية، "حيث كان منحازا على نحو فاضح إلى إسرائيل على حساب الحقوق الوطنية الفلسطينية، ومكرّسا لسياسة ازدواجية المعايير عندما تحدث عن حق الشعوب في الحرية والكرامة، وتجاهل حقوق الشعب الفلسطيني".
إيران والتضليل
ولاحظت إيران التي تستضيف مؤتمرا دوليا لمكافحة الإرهاب في حزيران المقبل أن خطاب أوباما "يُعبّر عن سياسة اليأس والتناقضات والتضليل التي تنتهجها الولايات المتحدة في المنطقة". وقال أمين المجلس الأعلى للأمن الوطني سعيد جليلي إن "دعم أوباما الدولة اليهودية يدل بوضوح إلى الطبيعة العنصرية لسياسة الولايات المتحدة".
خيبة إسرائيل
وقال مسؤول إسرائيلي كبير كان يرافق رئيس الوزراء بنيامين نتانياهو في الطائرة التي أقلّته إلى واشنطن إنه أصيب بخيبة أمل في تصريحات أوباما. وأضاف: "هناك شعور بأنّ واشنطن لا تفهم الواقع الذي نواجهه".
بدورها، وصفت صحيفة "يديعوت أحرونوت" زيارة نتانياهو لواشنطن بالبداية السيئة، متوقعة أن يُستقبل ببرودة في البيت الأبيض خلافا لما سيحصل في الكونغرس ومن ممثلي "الايباك"، مشيرة إلى أن نتانياهو سيعمل من اليوم لمنع إعادة انتخاب أوباما.

