كانت الحكومة قاب قوسين أو أدنى من الولادة قبل أن تعود وتتعرقل بعد “سحب” اللقاء التشاوري اسم جواد عدرا من التداول، لتعود الأمور إلى المربع الأول في عملية تذكر بما حصل في الساعات الأولى من عملية الجاهلية حيث كان وئام وهاب يومها شبه منهار وأعلن اعتذاره وعدم تقصده إهانة الحريري، قبل أن يأتيه الوحي من داعميه في حزب الله ليعود و”يستأسد ” في مواجهة الدولة ومؤسساتها.
وهكذا كان حال اللقاء التشاوري بعد تسمية عدرا بالطريقة التي تمت وكاد الأمر يصل إلى خواتيمه لولا كلمة سر وصلت لتفرمل الإندفاعة عبر الحديث عن خلاف على “هوية ” عدرا وتبعيته السياسية ما بين رئيس الجمهورية واللقاء التشاوري . المهم في الموضوع هو أن ما قاله الرئيس عون عن محاولة فرض أعراف جديدة في تشكيل الحكومة، هو في الواقع ليس جديدا بل يعود الأمر إلى ما بعد 7 أيار واتفاق الدوحة الذي كان المسمار الأكبر الذي دق في نعش الدستور والمؤسسات واتفاق الطائف والذي فرض أعرافا وتقاليد جديدة على تأليف الحكومة لم نكن نسمع بها من قبل كالثلث المعطل والوزير الملك وتوزيع الوزارات المسماة سيادية وخدماتية والمداورة وعدم المداورة في الوزارات وغيرها الكثير من المصطلحات التي ما أنزل الله والفكر السياسي بها من سلطان.
وبكل صراحة نقول إنه كان للتيار الوطني الحر والرئيس عون الباع الطويل والحصة الأكبر من هذه المحاولات، بحجة إعادة التوازن وحقوق المسيحيين، من دون التطلع إلى توازن السلطات وحقوق الدولة ومؤسساتها واحترام كينونتها، بدعم كبير من حلفائه الذين ربما تقصدهم في تصريحه الأخير من بكركي.
اقرأ أيضاً: عسكرة السياسة الحزبية…
اليوم والرئيس عون في بعبدا التي وصلها أيضا – وبكل محبة نقولها – عبر أعراف وتقاليد جديدة في انتخابات الرئاسة، عبر تعطيل الانتخاب لمدة سنتين عبر تخلي نواب الفريق الذي ينتمي إليه عن مسؤولياتهم في النزول إلى المجلس النيابي وانتخاب رئيس عبر الإقتراع ، إنما يعاني من المعايير نفسها التي ساهم في وضعها وتبنيها ،ويشرب من الكأس نفسها التي حضَّرها وسكبها لغيره في أكثر من مناسبة. لا نقول هذا تشفياً ولا انتقاصا ولكننا نقوله لكي نشير إلى موضع الداء ، ولنؤكد مرة أخرى أنه علينا عدم الخلط بين التكتيك السياسي والثوابت التي يجب أن لا تمس، كهيبة الدولة واستمرارية عمل المؤسسات بشكل طبيعي من دون تهاون من هنا وتذاكٍ من هناك للحصول على مكاسب سياسية آنية، ولكنها تحمل كل الضرر علينا وعلى البلد على المدى الطويل.
هذا ما نعيشه اليوم في بلد لم يعد فيه من شيء طبيعي، فقد بات لدينا دولة قطاع عام وبالتوازي هناك دولة قطاع خاص، ابتداء من السلاح إلى الخدمات كالكهرباء والماء والاتصالات وغيرها الكثير، بحيث أصبح المواطن يدفع الثمن مضاعفا في الأمن والاقتصاد والاجتماع وكل مناحي الحياة.
لذلك لا حل إلا بالعودة إلى انتظام عمل المؤسسات بصورة طبيعية ككل بلدان العالم النامي والمتطور،عبر العودة إلى التقاليد السياسية المنبثقة من الدستور ولا شيء غير الدستور… فهل يستطيع “العهد القوي” المبادرة والعودة بلبنان إلى مصاف الدول الطبيعية والمحترمة والفاعلة في محيطها والعالم؟ هذا هو التحدي الحقيقي .

