رسائل في الحماقة والحرب

«الحماقة» التي تحدث عنها المرشد الإيراني علي خامنئي، والتي حذر فيها إسرائيل، تختصر جملة رسائل.
عامان وهاجس الحرب يخيّم على الجميع. وبين شهر وآخر، ابتعد الاحتمال واقترب. الناس لامست ذعرها وتوجّسها يوماً بيوم، واطمأنت في أيام أخرى.
والقلق قائم، ليس لأن احتمال الحرب مرجّح، وإنما لأن كثيرين يتمنّونها، ومع ذلك، فإن التمني لا يعني بالضرورة السعي إليها. لكن «الحماقة» فعل ممكن ورائج، وهو قابل للارتكاب، ولو بغفلة من أي منطق.
ليست حرباً شاملة بالضرورة، يقول البعض. ربما تكون تصعيداً ميدانياً على الجبهة السورية، تتجمّع ملامحه منذ فترة، يقول آخرون، وربما تكون أيضاً سلسلة حرائق متفرقة على الساحة الإقليمية، أوسع نطاقاً مما يجري الآن.
في لحظة اندفاع «المحاور» نحو أهدافها، أو اصطدامها، تصير الرؤية مشوشة وسط دخان الحرائق، ويمكنها أن تكون مؤاتية، لارتكاب ما هو أبعد من مجرد حماقة.
ليس صدفة أن يختار خامنئي عيد «النوروز» ليطلق تحذيره لإسرائيل من ارتكاب الحماقة ضد الجمهورية الإسلامية. كما أن المرشد نادراً ما يخرج بكلام بمثل هذه الحدة في يوم عيد.
وليس صدفة أيضاً أن يأتي كلام خامنئي في ظل الحديث الرائج منذ أسابيع، عن عرض غربي مغرٍ لطهران في ما يتعلق بملفها النووي، وعن صفقة إيرانية – أميركية يجري ترتيبها بالسر.
ولأن باراك أوباما كان يزور اسرائيل في توقيت يتزامن للمفارقة مع ذكرى غزو العراق، ويعلن رسوخ وجود «دولتها» كوجود السماء والأرض، يصبح لكلام خامنئي مغزاه، خصوصاً أن كلامه جاء مباشرة بعد تصريحات الرئيس الاميركي في القدس المحتلة حول إيران وسوريا و«حزب الله».
موانع الانفجار التي سادت خلال العامين الماضين، لم تعد هي ذاتها. من الواضح أن ضوابط الدور الأميركي تغيّرت. اجتاز أوباما انتخابات التجديد لرئاسته، وتبلور فريقه للأمن القومي، وبدأت ترتسم ملامح سياسة أكثر وضوحاً حول الشأن السوري. صحيح أنه لا يزال يكافح أزمة اقتصادية خانقة، لكن ذلك لا يمنع الأميركيين من القول إنهم لا يعارضون قيام الآخرين بإرسال سلاح إلى المعارضة السورية، ثم التلويح بأن استهداف الدفاعات الجوية السورية، خيار ممكن، أو مطروح على الطاولة.
«يتصهين» أوباما ويتبارك اليوم بضريح هرتزل. الانتحاريون استهلوا حقبة الدخول إلى المساجد السورية. السياسات القطرية والسعودية تزداد «جهادية» و«وهابية». صناعة «هلال التطرف» تمضي قدماً… من كابول وإسلام اباد، مروراً بطرابلس وعكار ووصولاً إلى مالي والمغرب، ويراد لها أن تُسمّى «ربيعاً».
لكن المعركة الآن على سوريا وحولها. وبانتظار أن ينجح الروس في تمرير تسوية سياسية ما، فإن المواجهة مع إيران لا تدور رحاها في بوشهر. يقول خامنئي الآن إنها واسعة، وتمتد إلى حيفا وتل ابيب. الحماقة أن يظن الآخرون أن إيران عاجزة، وأن يظلوا على اعتقادهم بأن دمشق ستستسلم غداً، وهي رسالة لا تتعجّل طهران عادة في رميها جزافاً.

السابق
واشنطن تستبعد استخدام “الكيميائي” بسوريا
التالي
لبنان يدخل في متاهة الأَنفاق