كان ركن نيابي حزبي معارض يتحدث كمن يفكر بصوت عالٍ: ما هي الهوامش المتاحة في الوضع الراهن أو الاحتمالات الفعلية لتغييره؟ تقريباً لا شيء، يقول. في أحسن الأحوال قد تنتهي كل هذه المواجهة إلى نقاش حول عبارة واحدة. فموازين القوى المحلية ثابتة على اصطفافات المذاهب. وفي الخارج الكباش الإقليمي والدولي مستمر حتى إشعار آخر. وبالتالي أياً كانت صيغة قانون الانتخابات النيابية، وأياً كان موعدها، المقرر قانوناً أو المؤجل تقنياً أو حتى الممدد واقعياً، سيظل وليد جنبلاط عامل ترجيح ثابت في هذه اللعبة الهشة. ووليد جنبلاط هو وليد جنبلاط. هو نفسه منذ دخل الحياة السياسية. عند أي استحقاق يكثف عملية بثه لقلقه بتعبيرات عدائية وعدوانية، كي يحفظ لنفسه هذا الموقع وهذا الدور. طبعاً اليوم يبدو أداؤه نفسه مضاعفاً؛ لأن عقده تضاعفت حيال كل الآخرين. بلهجة رصينة يتابع النائب المعارض الأبرز: وليد جنبلاط اليوم يكره كل المسيحيين من دون استثناء، ويخاف من كل الشيعة من دون استثناء، ويغار من كل السنّة من دون استثناء. بهذه الخلفية تفهم مواقفه. ورغم كل ذلك، سيظل مفروضاً علينا ضمن المعادلة. ولأنه كذلك، ولأنه مفروض، سيفرض علينا عناصر أخرى في المعادلة نفسها، ودائماً وفق أفضل سيناريو. أي إنه سيفرض نبيه بري، ومن ثم سيفرض علينا ائتلافاً حكومياً. لنعود فعلياً إلى حالة ما بين تجربتين سابقتين: إما تجربة حكومة فؤاد السنيورة سنة 2005، وإما تجربة حكومة سعد الحريري سنة 2009.
ماذا تعني هذه القراءة؟ تعني أنه في أحسن الأحوال، وفي أفضل التقديرات لاحتمالات تطور الوضع الراهن، سنكون قد ذهبنا إلى وضع سابق، مطابق لحالتين عشناهما وجربناهما وانتهتا كلتاهما إلى الفشل. أي أن نناقش بجدلية بيزنطية مسألة عبارة واحدة من البيان الوزاري. هي تلك العبارة المتعلقة بسلاح حزب الله. ونعود إلى الغوص والغرق في سجالات وكباشات، بين صيغتين: «جيش وشعب ومقاومة»، أو «السلاح في كنف الدولة». الصيغة الأولى اعتمدناها في حكومة السنيورة بعد انتخابات عام 2005، ومع ذلك انتهينا إلى مشكلة المحكمة الدولية والاستقالات الحكومية والاعتصام الطويل والفراغ الرئاسي، وصولاً إلى 7 أيار. فيما الصيغة الثانية نوقشت طويلاً في حكومة الحريري بعد انتخابات عام 2009، ورغم كل توضيحاتها وتعديلاتها انتهينا إلى المشاكل نفسها، من شهود الزور إلى سقوط الحكومة. علماً أن أيّاً من الصيغتين، أو أي صيغة ثالثة اشتقاقية أو اقتباسية منهما، لن تعني شيئاً على أرض الواقع، ولن تغير شيئاً في الممارسة والأداء. هذه هي حدود اللعبة التي نحن فيها، أو الدوامة التي تدور بالجميع، بإدراك منهم أو بلا إدراك، وتقبل عليها القوى الأساسية بشعارات ومشاريع، فيما هي محدودة الهامش مخنوقة الأفق، لا يستفيد منها إلا الهامشيون.
ضيق الصدر هذا أو التبرم بمتاهات الوضع الراهن وعبثية الدوران فيها، ليس حكراً على مكون واحد من فريق المعارضة، ولا على المعارضة وحدها. ففي اجتماعات موسعة لحزب مسيحي معارض، كانت قياداته قد واجهت «نيراناً حليفة» غزيرة على خلفية موقفها من تبني صيغة «الأرثوذكسي»، علت أصوات غير مسبوقة منتقدة بحدة. قيل لزعيم الحزب صراحة: «رغم كل شيء، ورغم كل الماضي، نكاد نطالبك بالذهاب إلى ميشال عون والاتفاق معه على خوض الانتخابات، والانتهاء من هؤلاء الطفيليين الذين يبتزوننا كل 4 أعوام وطوال الأعوام الأربعة بذريعة أنهم حلفاؤنا المستقلون. لا يمثلون ولا شرعية لهم ولا نضال ولا تاريخ، وها هم اليوم «يؤستذون» علينا. هذا إذا لم نفتح صفحات تعاملهم مع كل وصي وكل جهاز». حتى إن دعوات كانت واضحة «إلى عدم استقبال فلان وفلان من حلفائنا المستقلين بعد اليوم. وإذا حصلت الانتخابات، فلنلقنهما درساً واضحاً. ولنعلن من الآن أن ترشيح حزبيين مكانهما مسألة جدية وندرسها بالتفصيل مع القوى الحزبية الحليفة الأخرى»… كلام حزبي معارض يذكر بتسمية كان يطلقها بعض «الأمليين» على حلفائهم من الشخصيات الشيعية المستقلة، المفروضة عليهم في الزمن السوري. كانوا يسمونهم «جواسيس السلطان»، وكانوا يتشوقون إلى زمن آخر يتحررون فيه منهم ويتخففون من أثقالهم. وهو ما حصل فعلاً إلى حدّ كبير. الوضع نفسه يُروى أن حزب الله يعيشه، لكن بصمت أكثر بلاغة، وقدرة هائلة على الهضم ببطء وعلى عبور الصحاري. فيما الأمر لدى ميشال عون لا يقل معاناة. حتى إنه لحظة صار ميشال سليمان يهول ويهدد ويحدد، قيل له صراحة: إذا كان ثمن «الأرثوذكسي» حتى زيارة معراب، افعلها وخلصنا من الطفيليين.
إحدى أزمات البلد المستعصية أن قواه الأساسية باتت أسرى مواقفها، جامدة، متجمدة. والجمود المتجمد حقل طبيعي خصب للطفيليات، وصولاً حتى فكرة التمديد لها تمديداً شاملاً.

