ورقة بيضاء تمثِّلني

يحار المرء في أمره، ورقة بيضاء أم مقاطعة. يأخذ الموضوع حيّزاً من الوقت لا لشيء، ولا لقناعة بإمكانية التأثير، بل لمجرّد التفكير أنّه، لمرّة، يمكن المساهمة بشأن من شؤون هذا البلد. إغراء «الورقة البيضاء» يبدو أكبر. هذه ستكون الورقة والاقتراع والاختيار الأول. صحيح أنها لن تُنتج ممثلين بحكم بياضها، لكنها ستدفع نحو ملامسة تجربة جديدة. مع كل دورة روّادٌ جدد، شباب يقترعون للمرة الأولى. كحالي. سيحمل هؤلاء أوراقهم بأسمائها «المعروفة»، ليحطّوا خلف الستار مقتنعين أو «مُقنعين أنفسهم» بالسريّة وضمان النزاهة. مشهد جذّاب، ليس سهلاً التهيؤ لخوض التجربة. لهذا ورقة بيضاء.
في محيطي، هي الأسماء ذاتها، مللت رؤيتها مطبوعة كل أربع سنوات بترتيب، ومحمولة على الأكفّ، وأصحابها محمولين على الأكتاف… أصلاً هي الكفوف الحاملة نفسها، في كل دورة، تقف في المكان ذاته لتروّج للأشخاص ذاتهم. في حين أن الجميع مُدرك منذ الصباح أن وصولهم إلى المجلس حتميّ. ربما لهذا يعمل مناصروهم بهذا النشاط. لا أجمل من الثقة بالذات، والتأكّد من نصر بعد «تعب».
يلاحقني النائب عبد اللطيف الزين من صغري. كبرنا سويّةً. سنةٌ منّي وأخرى منه، هو على حاله في المجلس وأنا على حالي أتفرّج على اسمه في قصاصة الورق نفسها. ينشط الرجل، فهو حاضر في كلّ مناسبة، دعوات عشاء، عزاء، حفلات تخرّج.. يتناوب مع زميله ياسين جابر في مهمة سنويّة، توزيع الشهادات التكريمية على خريجي «البروفيه» والبكالوريا. لهذا كان لي نصيب لقاء النائبين، وهذه كانت حصّتي الوحيدة من «خدماتهما». رأيتهما نعم، عبد اللطيف وياسين. وفي مرّة رأيتهما سويّةً، «ضربة واحدة». النائب محمد رعد لم أحظ به يوماً. لم أحاول، وهو لم يظهر لي ليفاجئني. غالباً ما وقفت الشاشة اللعينة بيننا.
إذاً ورقة بيضاء. القرار واضح، حتّى ما قبل البدء بمرحلة البحث الجديّ عن قانون للانتخابات.
تمخّض النقاش وخرج «نوابي» بقانون أوحى لي من إطلالته الأولى بالورقة البيضاء. لا مجال، القانون الأرثوذكسي لا تليق به إلاّ ورقتي.
ما فعله النواب الكرام هو أن اجتمعوا. قرّروا، بعد يأس، أنه لا بأس بالأرثوذكسي يفي بالغرض. أخرج القانون مشاهد لطيفة على الشعب. مثلاً من سينسى النائب ميشال عون وهو يفتح قنينة الشامبانيا؟ كان الرجل يضحك وكان سعيداًً كما لو أنه أنهى جولات إصلاحه. مشهد يبعث على الحياة، ويحمل الكثير من التفاؤل. هلاّ ابتعدنا عن النكد.
[[[
صباح اليوم التالي على إقرار القانون الأرثوذكسي، صحا الجميع من يوم حافل. ما أحدثته الصدمة أوقع خراباً في «فايسبوك» و«تويتر». هذان المكانان هما الأكثر حريّةً لقول ما يرغب به المرء. ولكثرة ما قالوا، فاض عنهم الكلام ومعه الصدمة وكثيرٌ من نكد وحقد. انتقلت صدمتهم إلى العالم الافتراضي، فبدا الأخير كمن ضربه زلزال في ليلة ماضية. ولكثرة ما تركوا فيه وصلت رسالة إلى بريدي الـ«فايسبوكي» من صديقة مقيمة في الخارج: «دخلك شو صاير عندكن بالبلد؟ ليه فالتين عالطوايف والطوايف فالتة عليكن؟ الدنيا قايمة قاعدة؟ ما يكونوا اقرّوا الزواج المدني وأنا ما عارفه؟».
ما زالت الشابة تشغل بالها بقضيّة الزواج المدني. أخبرتها عن جديدنا في الانتخابات ونصيبها الذي لن يتعدّى طائفتها. حدودك تقف عند «سنيّتك». لعلّها تفرح، ستنتخب وحدها من دون أن يشاركها شيعيّ واحد من البلد، ولا حتى مسيحيّ، بانتخاب عمار حوري. هكذا سيصل حوري بأوراق سنيّة صافية ونقيّة. ولأفرحها أكثر، أخبرتها أن النائب هاني قبيسي، لن ينتخبه بعد اليوم أحد غير الشيعة.
جواب سريع: «مش راجعة». تريد البقاء في بلاد لا وجود فيها لمبدأ «تطييف الطوائف» كما قال النائب علي فياض. عبثاً نحاول معها. منذ يومين جدّدت عقدها مع الشركة حيث تعمل. قررت المقاطعة. محاولات متكرّرة لإقناعها أن الورقة البيضاء أجمل وأكثر إثارة، لكن من دون تحقيق تقدم يذكر.
في آخر محادثة سألتني إن كان الفرز سيطال الطائرة. سألتْ عن سواتر في الطرقات. لكن لا أجوبة، أصلاً القانون لم يُبتّ نهائياً بعد. إلى ذاك الحين سنجهد لإقناعها بالعودة. عادةً هي الأكثر ابتكاراً في اللغة. ستجد لنا جميعاً عبارات تليق بـ«نوابنا» الجدد. خسارة أن تبقى أوراقنا بيضاء، سنزيّنها ببعض العبارات.
علّنا نستعيد في الدورة المقبلة صديقتنا.

السابق
حتى لا يبقى الجناح مكسوراً
التالي
هل يكون لبنان الدائرة الواحدة مخرجاً؟