مناورة كيري ودور أوباما

تترسّخ معادلات القوة في سورية، بفعل صلابة وتماسك الجيش السوري، وتؤكد جميع الوقائع أن الرئيس بشار الأسد الذي أظهر شجاعة وقوة نادرتين في التصدّي للعدوان الاستعماري، يخوض هجوماً استراتيجياً معاكساً، سياسياً وعسكرياً ضد هذا العدوان، وأدواته على الأرض وفي المنطقة.
بهذه الخلاصة يفسّر قيادي لبناني بارز التحوّلات التي تشبه الانقلاب الشامل في الواقع الدولي، ويدعو إلى التمعّن في تصريحات وزير الخارجية الأميركي الجديد جون كيري، وفي الرد الروسي عليها.
كلمات الوزير كيري أسقطت بصورة حاسمة الوهم الأميركي الذي سيطر على الخطاب الرسمي الأميركي طيلة سنتين، حول إمكانية الإطاحة بالرئيس الأسد وتفكيك الدولة والجيش السوري، بل وحتى الجغرافيا ، من خلال ما قدّمته واشنطن من دعم سياسي وعسكري واستخباراتي وما حشدته من إمكانات هائلة عبر أصدقائها في قطر وتركيا ولبنان، توزعوا الأدوار لضمان تمويل وتسليح الإرهابيين في سورية، وحشد ما يدعى بـ»فصائل الجهاد» العالمية من 29 بلداً بما فيها فرنسا وبريطانيا على الأرض السورية، وهذا ما اعترفت به تقارير الأمم المتحدة جهاراً.
الوزير كيري يدشّن الاعتراف الأميركي بالفشل، دون أن يتخلّى عن الكثير من الأوهام ومن غير أن يعلن التجاوب مع شروط وقف العنف على الأرض السورية، التي طرحها الرئيس الأسد وتبنتها روسيا بحزم وإصرار في جميع المداولات الثنائية مع الإدارة الأميركية تمهيداً لقمة بوتين ـ أوباما المرتقبة، لأن الإعلان عن عدم اعتزام الولايات المتحدة تزويد العصابات الإرهابية بمزيد من الأسلحة، لا ينفي الدعم الأميركي المستمر بواسطة الحكومات التابعة للغرب، فقد جاء الردّ الروسي موجعاً وقاسياً على كلام كيري، لإفهام الولايات المتحدة من أول الطريق أن أبواب التحايل مغلقة في القمة الروسية ـ الأميركية، فكلام كيري عن الحلّ السياسي يستوجب أن توعز واشنطن إلى كل من تركيا ومصر وقطر وطرابلس الغرب بمراجعة مواقفها من الوضع السوري، واتخاذ الإجراءات والتدابير التي تلبّي خطة الرئيس الأسد بوقف العنف.
منطق الأمور يفرض بأن ينتقل الغرب من استهلاك الدولة السورية إلى دعمها في مكافحة الإرهاب، بعد الدور الذي لعبته فرنسا في مالي، وبعد التقارير الأميركية والأوروبية بشأن مخاطر ولادة جيل جديد من الإرهابيين يهدّد أمن الدول الغربية مجدداً، كما حصل في أفغانستان، ولكن الغرب الذي هُزم أمام المقاومة السورية، ما زال مصمماً على زيادة الأعباء والتبعات التي سترثها سورية في حصيلة هذه الحرب، لأن أولوية الغرب هي حماية «إسرائيل» والنيل من القدرات السورية التي سيضاعفها زخم الانتصار وتأثيره على الواقع العربي، وهذا ما تخشاه الولايات المتحدة وأوروبا معاً، لأنه يهدّد الكيان الصهيوني.
الموقف الروسي مبنيّ على استثمار الصمود السوري في تكوين معادلات دولية جديدة، وليّ الذراع الأميركية بشأن سورية، سيكون فاتحة لتوازنات جديدة ولوضع دولي جديد يكرّس النديّة الروسية مع الأميركيين، وربما يفتح الأبواب لعملية فكّ وتركيب واسعة النطاق في العلاقات الدولية لإزالة آثار التفرّد الأميركي منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. والبوابة السورية اليوم هي المدخل الوحيد المتاح لإعادة تأسيس دولة بهذا الحجم تناسب التوازنات الجديدة.
وخلافاً لما توقع كثيرون في المنطقة والعالم كان واضحاً أن سورية وكذلك روسيا والصين وإيران لم تقابل اللغة الأميركية الجديدة التي جاءت على لسان وزير الخارجية الأميركي بانهيار عاطفي، بل بالثبات عند الشروط والموجبات التي على الولايات المتحدة أن تلتزم بها، وفي هذا السياق، جاء كلام الدكتور فيصل المقداد الذي سأل عن الالتزامات العملية المترتبة على كلام كيري عن الحلّ السياسي، فلا أحد في المنطقة والعالم يجهل أن الحكومات المتورّطة في الحرب على سورية نفّذت وتنفّذ الأوامر الأميركية، ومن دفعها في العدوان هو من يملك القدرة على إلزامها بالتراجع، وبهذا المعنى، فإن مناورة جون كيري سقطت قبل أن تبدأ، والكرة في ملعب الرئيس أوباما إذا كان يريد حقاً تحاشي المزيد من نتائج الهزيمة أمام سورية الصامدة والممانعة في وجه المؤامرة الكونية عليها.

السابق
الراعي يخلق البابا!!
التالي
مـن يـسعـى لتـأجيـل الانتخـابـات؟