يخطئ من يتعامل مع مبادرة الرئيس سعد الحريري، في مقابلته مع الزميل مرسيل غانم على محطة lbc التلفزيونية، على أنها مشروع قانون للانتخابات النيابية. فهي خطة طريق محددة المعالم، ومرسومة بدقة، لاخراج لبنان من النفق المظلم الذي يعيش فيه من ناحية أولى، والذي تهدده أفكار من النوع الذي تضمنه المشروع المسمى زورا "القانون الارثوذكسي" بالتفتت التدريجي والزوال في النهاية من ناحية ثانية.
ذلك أن تعاطي المبادرة مع الهواجس التي يكثر الحديث عنها، وهي كما قال الحريري ليست مسيحية فقط بل اسلامية أيضا، يتوغل في أعماق المسألة بهدف معالجتها من دون النظر، كما يبدو جليا من طروحات البعض، عند احتمالات الربح والخسارة في الانتخابات المقبلة. بل وأكثر، فهو ينظر اليها باعتبارها وصفة للعمل على تصليب وحدة اللبنانيين وحفظ تنوعهم وتعدد طوائفهم في مواجهة المشاريع الأخرى التي تهدد الوحدة والتنوع معا وفي وقت واحد.
وبهذا المعنى، فالمبادرة ترد على العديد من الدعوات المشبوهة و"الوشوشات" في الكواليس التي أنصت اللبنانيون في خلال الأعوام الماضية كما يأتي:
أولا، مطالبة الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله بـ "مؤتمر تأسيسي" للبنان، وحديث آخرين عن "عقد اجتماعي جديد"، واكتفاء البعض الثالث بالحديث عما يسمونه "خطيئة" اللبنانيين، والمسيحيين منهم بشكل خاص، عندما وافقوا على صيغة لبنان الكبير في العشرينات من القرن الماضي.
وليس في مبادرة الرئيس الحريري، في مواجهة ذلك كله، الا ما يعلن بوضوح كامل أن لبنان دولة قائمة منذ نحو قرن من الزمن، وأنه بالتالي ليس "دولة قيد التأسيس" ولا من نوع الكيانات التي ينطبق عليها وصف "الخطيئة" التي يمكن التراجع عنها أو اعادة النظر فيها، بقدر ما أنه ليس بحاجة الى عقد اجتماعي جديد. واذا كان صحيحا أن تجارب الأعوام الماضية كشفت ثغرات أو مثالب في بنيان دولته، وفي العيش المشترك بين مكوناته المتعددة والمتنوعة، فالحاجة كما الامكانية لازالة هذه العيوب متوفرتان بل ينبغي أن تكونا متوفرتين لدى الجميع الآن وفي كل وقت.
فـ"لبنان الرسالة"، كما وصفه بابا الكثكلة في الفاتيكان، كان خيار اللبنانيين الأوائل من مسيحيين ومسلمين على حدٍ سواء، ولا يجوز لأحد في القرن الحادي والعشرين أن يفرط به، فضلا عن اعادة جره، من خلال مشروعات طائفية ومذهبية مشبوهة، الى ما يشبه المتصرفية والقائمقاميتين في أربعينات وستينات القرن التاسع عشر.
هذا اللبنان، وليس لبنان الكانتونات المذهبية والدويلات العشائرية، هو ما يحتاجه اللبنانيون ويحتاجه معهم العرب في مرحلة التحول الديموقراطي والحضاري التي يجتازونها الآن.
ثانيا، جمود "التيار الوطني الحر"، ومعه بعض المستفيدين منه ومن جموده، عند مقولة "صحة التمثيل" في المجلس النيابي، واعتبار أن تحقيقها لا يتم الا عبر أسلوبين متناقضين بالمعنى القانوني والسياسي للكلمة: اما المذهبية الضيقة جدا من خلال المشروع المقدم من "اللقاء الأرثوذكسي"، أو النسبية الواسعة من خلال المشروع الذي وضعته الحكومة وجعلت فيه لبنان بطوائفه ومذاهبه ومناطقه كلها عددا محدودا من الدوائر الانتخابية.
في مبادرة الرئيس الحريري ما يكشف تهافت الطرحين وعقمهما من جهة، وما يؤكد من جهة ثانية أنهما لا يقدمان حلا لمسألة الهواجس، لا لدى المسيحيين بمذاهبهم المتعددة ولا كذلك لدى المسيحيين بمذاهبهم، فضلا عن أنهما يعيدان لبنان أكثر من تسعين عاما الى الوراء، اذا ما قورن بما فكر فيه اللبنانيون الأوائل لجهة التوزيع الطائفي المؤقت على طريق الالغاء الكامل للطائفية فيما لا يفعل أبناؤهم وأحفادهم في القرن الحادي والعشرين الا نقيض ذلك تماما.
واذا كان الأمر يتعلق بتمثيل الطوائف والمذاهب والمناطق، وصحة هذا التمثيل في الدولة ومؤسساتها، فقد حدد الحل بجلاء كامل اتفاق الطائف والدستور الذي انبثق عنه قبل أعوام: مجلس شيوخ يراعي التعدد بما يحمله من هواجس طائفية وسياسية، واللامركزية الادارية الموسعة التي ترعى الانماء المتوازن للمناطق وحقوقها في ثروات البلاد على قدم واحد مع المركز.
ثالثا، جرّ لبنان الى مستنقع المحاور العربية والدولية (وخاصة منها العسكرية) بما يتناقض أولا مع تاريخه السياسي كبلد محايد لا ينحاز الا الى الاجماع العربي، ويسدد ثانيا ضربة قاصمة لمصالحه الاقتصادية مع دول المنطقة والعالمين العربي والخارجي، فضلا عن أنه ينعكس مباشرة على نسيجه الاجتماعي وصيغة العيش المشترك بين أبنائه.
لا تقرر مبادرة الحريري في هذا الشأن الا ما قرره اللبنانيون والتزموه على الدوام، وهي عندما تدعو الى اعتماد اعلان بعبدا مبدأً ثابتاً في مقدمة الدستور انما تشير بجلاء الى مركز الداء: اعلان الرئيس الايراني محمود أحمدي نجاد بحضور الرئيس بشار الأسد والسيد حسن ضم لبنان الى ما يسمى بـ"محور المقاومة والممانعة" من جهة، واطلاق طائرة الاستطلاع الايرانية من لبنان بعد أيام فقط من صدوراعلان بعبدا عن هيئة الحوار الوطني من جهة ثانية.
رابعا وأخيرا، ان لبنان لا يحتاج الى قانون انتخابات جديد وتمثيلي سليم فقط انما أولا وقبل كل شيء الى ما يخرجه من النفق المظلم الذي يحشره فيه أهل السياسة الضيعوية وحسابات الربح والخسارة في هذه الانتخابات.

