رغم السحب السوداء التي تغطي السماء امنياً وسياسياً في لبنان، ورغم ان التطورات الأمنية تنتقل من مكان الى آخر، ورغم الضجة في الشارع وحركات الاحتجاج والخيم الرمزية التي نصبتها قوى 14 آ1ذار مع اصرارها الغريب على استقالة مستحيلة للحكومة، رغم ذلك فانه في الخفاء تجري اول عملية التفاف تحاكي الوسطية لتعيد احياءها وتقنع عدداً كبيراً من القوى في 8 و14 آذار بالانضمام اليها.
فالوسطية التي لم تقلع في المرات السابقة تحولت اليوم الى مكان تلجأ اليه النفوس المتعبة من مآثر قوى 8 و14 آذار على اعتبار انها الخيار الوحيد المتبقي بعدما سد الآخرون الطرقات امام اي حل ميثاقي او توافقي. من اجل ذلك فان النائب وليد جنبلاط الذي عانى ويعاني في كلا المكانين، قرر ان يوسع مروحة اتصالاته عله يعيد إحياء الوسطية ويزيد من فاعليتها، خصوصاً ان جنبلاط يمتلك العلاقات المميزة ويتفق حالياً مع رئيس الجمهورية وهو على وفاق – على مضض – مع رئيس الحكومة.
في ظل هذه المستجدات، يبقى السؤال : هل تبصر الوسطية النور وتتحول الى كتلة سياسية فاعلة لتنجح في امتلاك السلطة؟ ( في العام 1970 عندما انتزع تحالف الوسط المؤلف من سليمان فرنجية وصائب سلام وكامل الأسعد رئاسة الجمهورية من الحلف والنهج المتصارعين في ذلك الوقت).
إذاً انطلقت ورشة صياغة الوسطية بحلتها الجديدة وبشكل فاعل ومؤثر في الحياة السياسية، ومن المؤشرات على هذه الانطلاقة ورقة رئيس الجمهورية الى طاولة الحوار والتي حظيت بدعم من النائب وليد جنبلاط، كذلك ظهرت بعض العلامات الفارقة لتؤكد ان عملية جوجلة الأسماء قد دخلت مرحلة متقدمة، كما ان الفيتو قد وضع باحكام على بعض الأسماء كي تحظى الوسطية بالمصداقية والاعتدال.
فالنائب وليد جنبلاط بات على قناعة بان دخول الرئيس نبيه بري الى النادي الوسطي يضفي عليه الفعالية القصوى، ويضعه في مصاف الأقوياء. وضمن هذه الرؤية، نشط البعض وسعى الى سحب بعض القوى المسيحية في المعارضة كحزب الكتائب، مثلاً خصوصاً ان بعض العوارض الكتائبية ظهرت لتؤشر الى ان «الجماعة» ليسوا بعيدين عن الموافقة والقبول ، اضافة الى ان حزب الوطنيين الأحرار ليس بعيداً عن هذا التوجه خصوصاً اذا كات الوسطية بحلتها الجديدة تعيد الى الأحرار مقعداً اضافياً وتعطي ضمانة لدوري شمعون باستمراره عن الشوف.
وحتى يكتمل فرط العقد المسيحي داخل 14 آذار، ظهرت في بعض وسائل الاعلام المحسوبة على هذا الفريق حملة ضد القوات، فأصيب المقربون من معراب بالصدمة والمفاجأة من العيار الثقيل، خصوصاً ان هؤلاء لم يجدوا اي خلفية امنية او اي اثر امني او عسكري موجهة الى ساكن معراب، بل وجهوا في الحملة اسلوباً سياسياً معارضاً وعنيفاً يشبه هجوم اخصام القوات في 8 آذار ووضع المقربون الحملة تحت عنوان الانتخابات النيابية او جواز مرور للدخول مجدداً الى الحكومة، لكن في حقيقة الأمر تؤكد المصادر داخل الكتلة الوسطية ان الحملة الاعلامية هي الخطوة الأولى لإبعاد جعجع وما يمثله من تطرف وافساح المجال للراغبيين الجدد وفي طليعتهم الرئيس نبيه بري للانضمام الى النادي الوسطي.
اذاً الوسطية تشق طريقها باصرار من النائب وليد جنبلاط المدعوم من رئيس الجمهورية في مسعاه الوسطي ، اضافة الى مباركة من الرئيس نجيب ميقاتي ، لكن يبقى السؤال : هل تصل الوسطية الى الأهداف التي يصبو اليها الوسطيون فتخسر قوى 14 آذار بعضاً من مسيحييها، كما ان 8 تخسر ابرز وجوهها، ليعيد التاريخ بعضاً من وقائعه عندما فازت الوسطية برئاسة الجمهورية عندما اشتدت الخلافات والانقسامات بين النهج والحلف، تماماً كما هو حاصل اليوم بين 8 و14 آذار، من يدري ؟

