عدم تورّط حزب الله لا يعني تبرئته

بعد انكشاف المخطط التفجيري المكلّف تنفيذه ميشال سماحة ساد توجّه داخل البيئة الـ 14 آذارية مفاده أنّ استخدام النظام السوري أشخاصاً غير "مهنيين" مردّه إلى نأي "حزب الله بنفسه عن هذه الأعمال، ما اضطر هذا النظام إلى الدخول مباشرة على الخط.

ويعتبر أصحاب هذا التوجّه أنّ أجندة الحزب اختلفت عن أجندة النظام الذي يريد إشعال الحرب الأهلية عبر افتعال حوادث أمنية وإلصاقها بالإسلاميين بهدف إظهار أنّ الأزمة القائمة في سوريا هي نفسها في لبنان وعائدة بشكل أساسي إلى رفض المكوّن السنّي التعايش مع المكوّنات الأخرى واستخدامه الوسائل الإرهابية نفسها في دمشق وبيروت، وذلك تبريراً لمكنة القتل وتحويراً ولو جزئيا للأنظار عن الحرب الدائرة في سوريا.

ويرى هؤلاء أيضا أنّ الأحداث الممتدة من شادي المولوي في طرابلس إلى الشيخ عبد الواحد في عكار وصولاً إلى المنشورات المدسوسة في الكنائس التي كانت وظيفتها التمهيد لعبوات سماحة تندرج في سياق وضع الإسلاميين في مواجهة مع الجيش اللبناني والمسيحيين لشل هذا الجيش وتعطيله وإعادة البلاد إلى مناخات الحرب الأهلية وتفريغ المنطقة الشمالية في إطار محاولة البحث اليائسة عن دولة علوية بديلة بعد سقوط النظام يشكّل الشمال اللبناني تهديداً لها.

ويقول أصحاب التوجه نفسه إنّ هذا الوضع سيقود تلقائياً إلى تعبئة غير مسبوقة داخل البيئة السنّية، وهذه التعبئة التي كان أحد أبرز فصولها ما حصل من أحداث في الشمال ستقود إلى توترات طائفية في لبنان يكون "حزب الله" أوّل المتضرّرين منها كونه يدرك تماماً أنّ المناخ المذهبي المحتقن يؤدي إلى خنقه ومحاصرته وتكبيله، خصوصاً أنّه يترافق مع الصعود الإسلامي على مستوى المنطقة، وقد جاء اختطاف مواطنين شيعة في دمشق زائد ما يتعرّضون له في الخليج ليضع الحزب في موقع المتّهم من قبل طائفته بأنّ سياساته تعرّض هذه الطائفة للمهالك. ويبقى أنّ من الأمثلة المعبرة لرفض الحزب الانجرار إلى أيّ مواجهة مذهبية نأيه بنفسه عن كلّ ما يتصل بالشيخ أحمد الأسير وإقفاله الطريق التي تشكل تهديداً لوجوده.

فالاختلاف بين النظام والحزب بهذا المعنى يصحّ وصفه بالاستراتيجي، إذ في حين هدف الأوّل تسخين المناخات المذهبية والطائفية خدمة لمآربه، فإنّ هدف الثاني تبريد هذه المناخات خدمة لمصالحه، وبالتالي بين السعي السوري إلى تفجير الساحة اللبنانية وسعي الحزب إلى احتواء التفجير كونه يفقده أيضا القدرة على مواصلة إمساكه بمفاصل السلطة، وجد النظام نفسه أمام الحائط المسدود في اضطراره إلى الاتّكال على أدواته تحقيقاً لأهدافه، هذه الأدوات التي برهنت عن عدم خبرة وفعالية.

ويتابع أصحاب هذا التوجّه: إنّ من أخطاء النظام، لحسن حظ اللبنانيين، أنّه حصر كل الإمكانات بـ"حزب الله" من منطلق الاستراتيجية المشتركة التي تجمع مكوّنات محور الممانعة، إذ لم يتوقّع أن تختلف هذه الاستراتيجية في لبنان، فيما هي بالتأكيد متفقة على دعمه حتى النهاية في معركته داخل سوريا وتوفير كلّ مستلزمات نجاحه في هذه المعركة.

وعليه، قد تكون وجهة نظر أصحاب هذا التوجّه صحيحة، ولكن على صحتها نظراً لارتباطها بأوضاع مصلحية، لا يعني تبرئة "حزب الله" وتبييض صفحته وإعفاءه من مسؤولية اتهام المحكمة الدولية أربعة عناصر قيادية من حزبه باغتيال الرئيس رفيق الحريري وجرائم أخرى تبيّن ترابطها مع هذا الاغتيال، ورفضه تسليم هؤلاء العناصر واعتبارهم من فئة القديسين، فضلا عن أحداث 7 أيار وتعطيله حكومات الرئيسين فؤاد السنيورة وسعد الحريري وصولاً إلى إسقاط الأخيرة وتشكيل بديلة تأتمر بأوامره والقائمة تطول.

تميل الذاكرة الشعبية غالبا في اتّجاه المسامحة والنسيان، وهذا خطأ في حال عدم ترابطه مع اعتذار أو أقلّه تغيير في السلوك والمسار، وهذا ما لا ينطبق على أداء الحزب الحالي الذي ما زال يتمسّك بسلاحه وبوظيفته الإقليمية ويرفض إعادة تقييم دوره ربطاً بالثورات العربية وتطوّرات الأزمة السورية وحرص معظم اللبنانيين على مشروع الدولة وحصرية السلاح داخلها.  

السابق
جمهور 8 آذار: أصابنا الملل
التالي
الجيّد والسيِّئ والبشع في سوريا اليوم