الخلل مستورد أيضا، لا يحمل ماركة "صنع في لبنان"، بل "صنع ليطبّق في لبنان"، ولو يملك بعض من يعرف في هذه الحكومة الجرأة السياسيّة والوطنيّة لبادرَ الى فضح الجهة، او الجهات التي تحضّ على "تكبير" حادثة الكويخات، وتلك التي تقف وراء ظاهرة الشيخ الأسير في صيدا، وتلك التي تسعى الى إعادة الجيش الى الثكنات، كي تعمّ الفوضى في الشارع. لو يملك بعض من يعرف الجرأة لفضح الجهات المموّلة، لكنّ مصالحه الخاصة تردعه عن القيام بذلك، لأنه يسعى الى الاستفادة، والى الحصول على جزء من هذا المال الذي يوظّف "لتسييب" الدولة والمؤسسات.
الخلل مستورد، لأن كوفي أنان الذي يطوف على عواصم الدول المعنيّة بالملف السوري بحثاً عن دعم جدّي لمهمته، لم يجد لغاية الآن، إرادات متفهّمة، وآذانا صاغيّة، فالكل قال كلمته ومشى متّكلا عليه في تنفيذ ما كلّف بتنفيذه من قبل مجلس الأمن، لكن سرعان ما اكتشف "بأنّ هذا الشك الذي وضع بين يديه، هو من دون رصيد"، وعندما ذهب لرَسملته، وجد أن الدول التي كلّفته وشجّعته، غير مستعدة لتقديم ما يحتاجه من دعم، ولِمَ العجلة طالما أن المطلوب أن يستمر العنف في سوريا، إلى أن يطرأ ما هو غير متوقّع وخارج الحسابات المتداولة؟ وعندها يُبنى على الشيء مقتضاه.
وعندما زار أنان بيروت نصح بعض مَن التقاهم بالعمل على تدارك الفوضى، لكن الآذان التي سمعت كلامه، كانت مشنّفة صوب حفيف المال الذي يوظّف لدعم الفوضى، وما يهمّها هو المال، فالصناديق فارغة، وموسم السياحة والاصطياف "عاطل"، ولم يبق من مجال سوى الاستثمار "بسياحة الفوضى".
الخلل مستورد، لأنّ سيرغي لافروف أعلنها صراحة بأنّ مقررات مؤتمر جنيف قد اتخذت لتنفّذ، لكن الدول التي تمدّ المعارضة السوريّة بالمال والسلاح، أبعدت عن المؤتمر.
ولأنها لم تشارك، أوعزت الى المعارضة برفض المقررات، والإصرار على إسقاط النظام بالقوّة، وهذا ما دفع بدول أخرى، وبلاعبين جدد الى الدخول على الخط ليس حبّا بالتعطيل، بل لإفهام المعترضين بأنهم ليسوا وحدهم على الساحة، وهناك من هو قادر أيضا على الدخول في صلب اللعبة.
ويحاول لافروف أن يفتح كوّة لتنفيذ مقررات جنيف، لعلّه يهتدي الى وسيلة تخرج موسكو من ورطة التهويل باستخدام حقّ النقض "الفيتو" في كلّ مرّة يتحمّس فيها الغرب الأميركي – الأوروبي الى تقديم مشروع قرار الى مجلس الأمن تحت الفصل السابع. إلّا أن التكتيك المتبع يوفّر للمجتمع الدولي المزيد من الفرَص للتنصّل من أيّ حل، "لأنها لم تبدأ لتنتهي هنا"، والمخطط المرسوم لم ينجز بالكامل بعد، ولا ضير إذا تعمّمت الفوضى، ووصلت تردداتها الى الساحة اللبنانيّة، طالما أن هناك من هو مستعد لأن يُقحم نفسه في الحريق السوري.
والخلل مستورد، ووليام بيرنز جاء يتفقّد "أحوال" الفوضى بأمّ العين، ويرى ويعاين كيف أن البعض "يَستميت" لنقل المشهد السوري الى الداخل اللبناني، وكيف أن البعض الآخر يحترف افتعال الفوضى وتسويقها لأنّ الجهة الخارجية الداعمة "بتمون"، ولا يمكن تسفيهها.
واستشعر خطورة المال الذي يوظّف خارج مؤسسات الدولة وصناديقها، ولم يفاجأ بالأنانيّة المفرطة، لأنه يعرف وعن قرب بأنّ البعض "لن يتوانى عن إشعال سيكارته، حتى ولو أدى عود الثقاب الى إحراق البلد".
وأبدى خلال لقاءاته غيرة على الجيش، والمهام الوطنيّة التي يضطلع بها، والمسؤوليات الكبرى الملقاة على عاتقه. لكن بالمقابل تبيّن بأنه لم يأت برزمة من الدعم الذي تستحقه المؤسسة العسكريّة لتمكينها من الاضطلاع بالأدوار المطلوبة منها، ولم يأت بأي جديد على هذا الصعيد خارج المألوف، باعتبار أن السلاح الذي تقدّمه واشنطن متواضع بحجمه، وفاعليته، لاعتبارات تتصِل بحسابات إسرائيليّة – إقليميّة.
ويؤكد بعض المهتمين بالشأن اللبناني بأن ليس هناك من قرار دولي بتفجير لبنان، ولكن بالمقابل ليس هناك من حماس وطني عند المتحلّقين حول طاولة الحوار، للقيام بمجهود جدّي متجرّد هدفه ترسيخ السلم الأهلي، بل على العكس، هناك من في السلطة، ومن هو خارجها من يسعى الى الاستفادة من هذا الكم الهائل من المال الذي يوظّف لتعميم الفوضى، وتحويل الساحة الى انعكاس لِما يجري على الساحة السوريّة. وعندما تستبيح الفوضى المدن والعواصم، تصبح الشعوب ضحية أقدارها؟!.

