النهار: التعويم الحكومي يمرّر التمويل بلا اعتراض

خلافاً لتجربتها الاولى قبل زهاء سبعة أشهر في تمويل المحكمة الخاصة بلبنان عن 2011، مررت الحكومة أمس تمويل المحكمة عن 2012 مرورا سلسا وخاطفا بلا ضجيج او صخب سياسيين، الى حد حذف البند المتعلق بالتمويل من مشروع قانون الموازنة للسنة الجارية الذي أقره مجلس الوزراء.
وإذ بينت الوقائع أن رئيس الوزراء نجيب ميقاتي استبق الجلسة الماراتونية التي انعقدت في السرايا برئاسته لاستكمال اقرار مشروع الموازنة، فاتخذ الاجراءات المطلوبة منذ الصباح لتحويل حصة لبنان من التمويل، أكدت مصادر وزارية لـ"النهار" ان الوزراء فوجئوا لدى بلوغ مناقشة الموازنة بندا بندا البند 32 الذي كان يلحظ قانون برنامج لتمويل المحكمة بقول ميقاتي: "تم التمويل ولم تعد ثمة حاجة الى هذا البند ويمكن الانتقال الى البند التالي". ولفتت الى ان الأمر مرّ دونما نقاش او رد فعل رافض من وزراء الكتل السياسية المعترضة أصلا على مبدأ التمويل وهم وزراء "أمل" و"حزب الله" و"تكتل التغيير والاصلاح"، حتى أن أحدا من الوزراء لم يسأل عن الآلية التي اعتمدت في عملية التمويل او مصدره.
وأعربت المصادر عن اعتقادها ان دوافع عدة أملت اتخاذ هذه الخطوة يتمثل أبرزها في ان ميقاتي أفاد من المناخ الحكومي "الجديد" الذي برز في الجلسة التي انعقدت الاثنين الماضي على خلفية اعادة تعويم الوضع الحكومي والحد من اهتزازاته الداخلية العميقة، فاتخذ الاجراءات الضرورية لانجاز خطوة التمويل بقرار شخصي، وبآلية مماثلة للتجربة السابقة، فحال بذلك دون طرح بند التمويل على النقاش تجنبا لاعادة التسبب بانقسامات داخل الحكومة. وفي مقابل ذلك، لزمت الكتل الرافضة أو المتحفظة عن التمويل الصمت لرغبتها في تجنب أي خضة جديدة، خصوصا أن ذيول الخضة السابقة لا تزال تثقل على العلاقات الفاترة أو المتوترة بين بعض القوى.
واضافت المصادر ان حذف بند التمويل من مشروع الموازنة سهل اقرارا سريعا للموازنة التي جاءت مخفضة ومتقشفة بالحدود القصوى وإن تكن الجلسة شهدت الكثير من الاعتراضات على الغاء نحو 40 بندا أكثرها يتصل بقوانين برامج انمائية.
أما البعد السياسي لهذا الاقرار الخاطف لتمويل المحكمة، فأدرجته المصادر في اطار بعدين داخلي وخارجي. ففي البعد الداخلي، لم تخف ان رئيس الحكومة أراد الرد على الحملات المتصاعدة من المعارضة على الحكومة في ملف يصعب على المعارضة تجاهل أهميته المفصلية وهو يشكل مطلبا أساسيا لها. اما في البعد الخارجي، فشاءت الحكومة توظيف الخطوة للحفاظ على الدعم الخارجي لها، علما أن توقيت الخطوة جاء مع زيارة رئيس الجمهورية ميشال سليمان لفرنسا وعشية وصول نائب وزيرة الخارجية الاميركية وليم بيرنز الى بيروت اليوم.
وعلى رغم امتناع الرئيس ميقاتي عن كشف مصدر عملية التمويل، مكتفيا بالقول انها تمت كما في العام الماضي، علمت "النهار" أن ميقاتي لم يعتمد على المصارف اللبنانية ولم يلجأ اليها كما فعل العام الماضي، بل اعتمد على موازنة رئاسة الحكومة والاحتياط في الموازنة فحول من الاحتياط المبلغ المطلوب وهو 26 مليونا و927 الف أورو لحساب في مصرف لبنان جرى تحويله الى صندوق المحكمة الخاصة بلبنان.
وأصدرت المحكمة من مقرها في لايشندام في لاهاي بيانا أكدت فيه انها "تسلمت مساهمة لبنان في موازنة 2012 من الحكومة اللبنانية". وقالت ان "الحكومة اللبنانية حولت مبلغ 26,927,270 أورو، أي ما يعادل نسبة 49 في المئة من موازنة المحكمة لحساب المحكمة المصرفي صباح اليوم (أمس). وتتوجه المحكمة الخاصة بلبنان بالشكر الى حكومة لبنان على مساهمتها للسنة 2012 والتزامها المستمر عمل المحكمة".
أما في موضوع الموازنة فقد فصل معظم القوانين البرامج عن المشروع، ولا سيما منها سلسلة الرتب والرواتب وخطة تمويلية للجيش لفترة أربع سنوات بمبلغ ثلاثة آلاف مليار ليرة وخطة استشفائية عامة، على أن تدرس هذه البرامج خارج الموازنة لتأمين الواردات اللازمة لنفقاتها.
"الداتا"
وسبق الجلسة اجتماع برئاسة ميقاتي خصص لمعالجة موضوع "داتا" الاتصالات وضم الهيئة القضائية المختصة وقادة الاجهزة الأمنية بدا انه توصل الى نتائج "مرضية" في هذا الموضوع. ووصف رئيس الوزراء الاجتماع بأنه كان ايجابياً، منوهاً بالتنسيق بين الأجهزة الأمنية التي شاركت فيه.
وعلمت "النهار" ان ثمة مسارين يجري العمل عليهما، احدهما قضائي قائم من خلال قاضي التحقيق الذي له الحق في إعطاء المعلومات التي تطلب منه، والآخر اداري يتعلق بطلبات "الداتا"، وقد تم تسليم 780 "داتا" في الأشهر الثلاثة الأخيرة من الأجهزة الأمنية، وطلب ميقاتي كل الطلبات المتوقعة لتوقيعها منعاً لاتهام الحكومة بالعرقلة أو المماطلة. وصرح رئيس الوزراء لـ"النهار" في هذا الصدد: "ليس هناك من تقاعس والجهات الأمنية راضية عن مستوى المعلومات التي تحصل عليها". واعتبر ان "الهجمات التي تتعرض لها الحكومة تعطي صورة سيئة عن لبنان"، وقال: "ندرك الصعوبات التي تواجهنا ونتعامل معها بصبر وروية آخذين في الاعتبار العوامل التي تحيط بنا، ونأمل من المنتقدين أن يكون انتقادهم موضوعياً وألا يصل الى مستوى التجريح الذي يمس بالوطن، فالأولوية اليوم هي للحفاظ على الدولة بكيانها ومؤسساتها".
وقال وزير الداخلية مروان شربل لـ"النهار" عن اجتماع السرايا: "إن الجهات الأمنية المعنية في فرع المعلومات والأمن العام ومخابرات الجيش توصلت الى معادلة تقضي بأن تحصل الأجهزة الأمنية على الداتا عندما تطلبها بما يتلاءم مع القانون 140 الذي يحافظ على سرية التخابر وعليه سيتم التجاوب مع طلبات هذه الأجهزة في نطاق موضوع معين ومنطقة محددة لملاحقة المجرمين".
"التفاهم الثلاثي"
على صعيد سياسي آخر، كشف أمس عن اجتماع ليلي هو الثاني من نوعه ضم وزير الطاقة جبران باسيل والنائب ابرهيم كنعان عن "التيار الوطني الحر" والنائب جورج عدوان عن "القوات اللبنانية" والنائب سامي الجميل عن حزب الكتائب. وقد انعقد الاجتماع في منطقة النعص في بكفيا واستمر من الحادية عشرة ليل الثلثاء حتى الأولى فجراً. وجاء هذا الاجتماع استكمالاً للقاء الأول للمجتمعين عقب مشكلة التصويت على قانون تثبيت المياومين في مؤسسة كهرباء لبنان التي أدت بالكتل الثلاث الى مقاطعة جلسة مجلس النواب.
وأبلغت مصادر المجتمعين "النهار" أن هذين الاجتماعين لا يتعلقان بأي توجه انتخابي بل أن نتائج موقف المقاطعة الذي جمع الأطراف الثلاثة أثمر نتائج وكان موقفاً ناجحاً، مما أوجب المضي في درس هذه النتائج. وأضافت ان المسألة لا تتعلق بقضية المياومين فحسب فهناك الأداء البرلماني والأداء الحكومي وعدم تجاوز آليات التوظيف في الادارة. وقد حصل تفاعل أملى على القوى الثلاث العودة الى التشاور. وعرض كل من المجتمعين حصيلة الاتصالات التي أجراها مع مراجع رسمية ودينية، وبحث في امكان طرح تعديلات على قانون المياومين لجهة التوظيف. كما توسع البحث الى قوانين اخرى مطروحة تشكل مصلحة مشتركة للقوى الثلاثة منها تملك الأجانب واعادة الجنسية الى المتحدرين من أصل لبناني وضمان الشيخوخة والتصويت الالكتروني وتعويض المحررين من السجون السورية والاسرائيلية وسواها من القوانين.
وقالت إن الاجتماع يأتي كإطار للتواصل وتحديد المسائل التي تجمع الأطراف الثلاثة.
صيدا
على صعيد آخر، "تحررت" صيدا أمس من اعتصام بائعي الخضر الذي نفذ في ساحة النجمة، فيما لا يزال الاعتصام الآخر الذي ينفذه الشيخ احمد الأسير وأنصاره مستمراً. وأنهى بائعو الخضر اعتصامهم "تجنباً لتسييس مطلبهم أو تحركاتهم من أي جهة" وباشرت فرق الطوارئ البلدية وفرق النظافة العمل على ازالة المعوقات والخضر من الشوارع واعادت فتح الطرق أمام حركة السيارات.   

السابق
ميقاتي: انسحب موضوع تمويل المحكمة من الموازنة لانه تم تمويلها اليوم على غرار السنة الفائتة
التالي
السفير: المحكمة الدولية تستلم حصتها الموازنة تُعيد للحكومة ” توازنها “