الرسالة الحمصية

رسالتان وجهتهما السلطة السورية بالأمس، لكن واحدة منهما تدلّ الى الفحوى الفعلي لتوجهاتها.
الرسالة الأولى كانت إعلان قبول خطّة المبعوث الدولي كوفي أنان المؤلفة من ست نقاط تشتمل على مصطلحات كبيرة وجليلة (ومألوفة لبنانياً!) مثل وقف إطلاق النار والإعلان عن هدنة إنسانية تسمح بإيصال المساعدات الى المحاصرين، والحوار والانتخابات.. وما الى ذلك من كلمات لا يعتقد عاقل واحد أن حرفاً واحداً منها يمكن أن تقبل سلطة الأسد بتطبيقه.

ولذا، فإن الموافقة المذكورة تبدو خارجة من موسكو أكثر من كونها خارجة من دمشق.. ولأن الأمر كذلك، فقد "عولجت" وبسرعة برسالة رديفة: نزل بشار الأسد شخصياً الى حي بابا عمرو في حمص ليقول عملياً ونظرياً ومباشرة إنه مستمر في الحرب حتى النهاية، وإن أي شيء آخر لا يعنيه.. هناك مسار واحد ونتيجته لا تحتمل التأويل ولا أنصاف الحلول ولا المراحل الانتقالية: إما نحن أو هم. إما أنا والسلطة وسوريا، أو العكس. والمعطيات الثلاثة مترابطة حكماً في ذهنه وعرفه وحساباته، تماماً، كما كانت مترابطة عند أسلافه وأشباهه من صدام حسين الى معمر القذافي، و"ليتسلى" بعد ذلك، من يريد في الخارج، بعقد ما يشاء من اجتماعات ولقاءات وزيارات. ولتصدر قرارات وبيانات من أوروبا الى نيويورك الى بغداد الى اسطنبول.. المهم أن لا تمسّ تلك الهوامش المتن المخيف، أي أن لا تصل الى حد خروج قرار دولي أو إقليمي أو مشترك بالتدخل العسكري لإنقاذ شعب سوريا من المذبحة المفتوحة.

ولأن ذلك التدخل صار أمراً يشبه ثلاثية الغول والعنقاء والخلّ الوفي، فإن صاحب السلطة في دمشق يشرب من تلك الكأس حتى آخر قطرة فيها. ولا يقف عند أي حد، طالما أن ذلك الحدّ لم يُرسم أمامه بعد! ولا يهتم للآتي، طالما أن الراهن معركة مفتوحة.. لا يهتم مثلاً أن يُقال عنه إنه دمّر حمص وهجّر أهلها ثم ذهب ليتفرج على أنقاضها.. وكأنه حرّر الجولان، وأعاد إعمار القنيطرة ولمّ شتات أهلها فيها، بعد أربعين سنة من النفي والتشرّد!

يهمه أن يقول لكوفي أنان وأهل مؤتمر اسطنبول، إن مثال بابا عمرو هو "عرضه" الأخير على الطاولة.. وإن "الحل" الذي يفتش عليه العالم للقضية السورية موجود أمامه: بالحديد والنار والقتل والتهجير يأتي ذلك الحل. ومن تركب رأسه الأوهام ويترجمها في خطّة دولية أو بيان رئاسي أو قرار من الجامعة العربية أو المؤتمر الإسلامي، أو مؤتمر اسطنبول، عليه أن يفيق بسرعة من تلك الأوهام ويقرأ الرسالة الحمصية جيداً وبتمعّن.. أما الرسالة الى أنان، فهو يستطيع لاحقاً، أن يناقش القيادة الروسية، في عدم صلاحيتها، وهي تتكفّل بتقديم ما يكفي من مبررات وذرائع دفاعاً عن الأسد!
من قال إن "النكبة" تتعلق بفلسطين وحدها!؟

السابق
مغشوشة يا لافروف
التالي
نتنياهو.. الاسد؟!