لم يكن هناك مكانٌ امس لـ «الوسط» في وسط بيروت، فالخيار كان على طريقة «الابيض او الاسود» اي إما مع الشعب السوري «المذبوح» وضد «السلطان الجائر»، وإما مع الرئيس السوري بشار الاسد الذي «لا يبغضك إلا أبناء الحرام» وضدّ «المؤامرة على نظام الممانعة» … وحدها العناصر الأمنية كانت بين «الضدّين» بعدما حوّلها القرار السياسي من اعلى المستويات «قوة فصل» لمنع اي صِدام بين السلفيين «الزاحفين» من عاصمة الجنوب صيدا و«البعثيين» الذين يلحقون مناهضي النظام السوري «على الدعسة» في اي تحرُّك لهم في العاصمة اللبنانية.
… «ممنوع ذبح أهلنا واطفالنا في سورية فماذا أنتم فاعلون يا أهل الحرمين؟»، و«ممنوع شتم سورية ونظامها الذي أسقط المؤامرة مع استرداد بابا عمرو»، شعاران «تصارعا» في ساحة الشهداء «من فوق» الخط العازل من الأسلاك الشائكة والعوائق المعدنية الذي فصل بين مبنى صحيفة «النهار» وفندق «لوغراي» حيث تجمّع بضعة آلاف لبوا نداء إمام مسجد بلال بن رباح الشيخ أحمد الأسير الى الاعتصام بوسط بيروت «تضامناً مع ثورة الشعب السوري ومع قضية القدس»، وبين تقاطع ساحة الدباس – اللعازارية حيث تظاهر بضع مئات من مناصري حزب البعث العربي الاشتراكي وأحزاب حليفة تأييداً للنظام السوري.
نحو ثلاث ساعات من «الأنفاس المحبوسة» عاشها لبنان في «احد وسط بيروت» الذي كان امام «اختبار امني» حساس مرّ «على خير» اولاً نتيجة «القبضة من حديد» للقوى الأمنية والجيش اللبناني (نحو 1500 عنصر) الذين بدأت إجراءاتهم بتحديد المسالك التي توجّه عبرها السلفيون من صيدا الى وسط بيروت وحالت دون خروجهم عن الخط المرسوم لهم او اختلاطهم بمناطق في الضاحية الجنوبية، وثانياً بفعل الاتصالات السياسية التي أجريت مع طرفيْ الاعتصاميْن وتخللها نقل رسالة حازمة بان المس بالأمن «خط أحمر» سيقابَل «بالردّ المناسب»، وثالثاً بعدما ساهم اعتراض «تيار المستقبل» على التحرك في وسط بيروت في سحب «فتيل» اي استغلال سياسي او مذهبي له وقطع الطريق على اي محاولة (من داعمي النظام السوري) لاستغلاله لـ «توريط» التيار في منزلقات لا تخدم صورته وتُحرجه في «البيئة الحليفة» و»الشريكة» (المسيحية).
منذ الحادية عشرة من قبل الشهر، بدأت «الساحتان» تشهدان حضور المعتصمين الذين وقفوا «وجهاً لوجه» (على بُعد حوالي خمسن متراً) وبينهما القوى الامنية، التي اشرف على عملها على الارض وزير الداخلية مروان شربل، والعوازل في مشهد استحضر معه كثيرون ما عرفه وسط بيروت العام 2007 حين كانت قوى 8 آذار تنفّذ «اعتصام الخيم» المفتوح ونزلت جماهير 14 آذار لإحياء ذكرى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري (14 فبراير).
… أعلام، صور، فانات بمكبرات صوت، اناشيد دينية او ثورية، حناجر تهتف وقبضات تتوعّد. هذه كانت «عُدة» اعتصاميْ الـ «مع وضدّ».
في «معسكر» السلفيين، الذين حضر معهم الداعية عمر بكري (من طرابلس)، غضب عارم على الأسد «السفاح» وعلى داعميْه الرئيسين الصيني هو جينتاو والروسي ديمتري مدفيديفن والثلاثة رُفعت صورهم وتحتها عبارة «قتلة» وشعارات عدة بينها «لبيك يا حمص» و«لبيك يا اقصى».
وفي «المقلب» الآخر، سخطٌ على خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز وأمير قطر الشيخ حمد بن خليفة ورئيس «جبهة النضال الوطني» النائب وليد جنبلاط، والثلاثة رُفعت صور ضدّهم مع مفارقة انه تم تمزيق صورة لجنبلاط الذي اتهمه «البعث» في لبنان بانه يقف وراء تحرّك الشيخ الأسير في ترجمة لمواقفه المتصاعدة ضدّ النظام السوري والتي كانت بلغت قبل أيام حدّ مشاركته شخصياً باعتصامٍ في حديقة سمير قصير في وسط بيروت داعياً الرئيس الأسد بالفم الملآن … «إرحل».
وقد حمل مناصرو الأسد صوره والاعلام السورية وأعلاماً لـ «حزب الله» وشعارات كتب على بعضها «لا يبغضك أيّها الرئيس إلا أبناء الحرام»، و»استرداد بابا عمرو صفعة للمؤامرة».
وقرابة الساعة الواحدة والنصف ألقى الشيخ أحمد الأسير كلمة في الاعتصام قال فيها: «سنقول الحق بوجه سلطان جائر (..) نحن أُمّة ما زال فيها حياة، وإذا ظنّ الظالمون المتكبّرون من الحكام الظلَمة أنهم داسوا على الكرامات، عليهم ألا يتكلوا على ذلك، لأن الله أخرج أطفال درعا، وقد جئنا اليوم نقول لأهلنا وأشقائنا في البلاد العربية والإسلامية إن أطفالنا ذبحوا في سورية فماذا أنتم فاعلون يا أهل الحرمين؟».
اضاف: «لا بدّ أن نعلم جميعاً أن (الرئيس السوري) بشار (الأسد) صدق مرتين ـ أعتذِر لأننّي ذكرته ـ وهو كذوب، الأولى عندما قال ان سورية ليست كغيرها، وفعلاً فإنّ أحداث سورية ليست كغيرها، لأنّها أسقطت الأقنعة التي لطالما خدعتنا، والمرة الثانية عندما قال إنّها مؤامرة عالمية على سوريةو وفعلاً هي مؤامرة ولكن على سورية الشعب، وإلا لماذا كلما ازداد القتل خرج رموز المجتمع الدولي ليقولوا لا تدخل عسكرياً في سورية».
ووجّه رسالة الى «اخواننا في الانسانية شركائنا المسيحيين في المنطقة، فلا تطلبوا الحماية من أحد بل نطلب منكم الحماية من خلال صمودكم معنا في هذه المنطقة، لأن المشروع الصهيوني يريد تفريغ المنطقة منكم لتشويه صورة الاسلام»، معلناً «لا نريد فقط تحرير الأقصى بل تحرير كنيسة القيامة والمهد ولو كلّف ذلك الدماء». وأضاف: «لقد تربّينا ألاّ يبتعد المسجد أمتاراً عن الكنيسة، تعالوا إلى صيدا كي تروا حقيقة العيش الواحد، ثم يأتي الجزار بشار (الأسد) ليزرع الوهم والخوف في قلوب المسيحيين، وأناشد الشباب المسيحي إيّاك والهجرة، واصمد في بلادك لأنها تحتاجك رغم أنف بشار، وأبشر يا بشار، فإن (الرئيس الليبي الراحل معمر) القذافي أخرجه أبطال ليبيا من المجرور ونحن وأبطال سورية سنضعك في المجرور».
وبعد مرور «قطوع» الاعتصام، نوّه رئيس الحكومة نجيب ميقاتي «بالتحرك السلمي الذي التزمه المتظاهرون في ساحة الشهداء»، مشدداً على «أن التعبير عن حرية الرأي أمر مشروع ، تلتزم الحكومة بحمايته ضمن القونين المرعية الاجراء ، وهي تتمنى، في الوقت ذاته، على الجميع تغليب المصلحة اللبنانية العليا على ما عداها والتوّحد حول كلمة سواء تحمي وطننا وتبعد عنه المخاطر والمصاعب».

