تتجِه دوَل مجلس التعاون الخليجي الى الاعتراف بالمجلس الوطني كممثل وحيد للشعب السوري، وتسليح المعارضة انطلاقاً من الجيش السوري الحر. ويتصدّر هذان البندان جدول أعمال الاجتماع المرتقب في الرياض في السابع من الجاري، والذي يحظى بهالة واسعة من التحضير والإعداد، خصوصا إذا ما شارك في أعماله وزير خارجيّة روسيا سيرغي لافروف، الى جانب وزراء خارجيّة دول مجلس التعاون.
يتداول المعنيون بهذا الاجتماع أكثر من رأي، البعض يصرّ على حسم الموقف لجهة الاعتراف والتسليح. البعض الآخر يرفض سياسة الهاوية، ولا يريد إحراج الروس إذا ما شاركوا في الاجتماع، متمنيّا الاستمرار في سياسة التواصل معهم. فيما الطرف الثالث يريد الحسم، إمّا أن تختار موسكو سوريا، وتخسر علاقاتها مع دول مجلس التعاون الخليجي، أو تتخلّى عن سوريا مقابل علاقات واعدة. وتؤدي دولة الكويت دورا متوازنا، تريد عقلنة المسار الخليجي، ورفعه الى مصاف الدول المدركة لجسامة التحولات التي تشهدها المنطقة، حيث يمثّل المشهد السوري الساخن، جزءا منها.
وتبقى الأولويّة الآن، لتثبيت فكرة الاجتماع، وتأكيد مكانه وزمانه، وضمان مشاركة الروس فيه، انطلاقا من الدوافع الآتية:
أولا: إنّ التسويق الإعلامي لخلفيّة الاتصال الذي تمّ الأسبوع الماضي بين الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف والعاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز، أدى الى فتور في العلاقات، وهو يماثل من حيث نتائجه، الحوار المتوتر الذي جرى ما بين رئيس وزراء قطر وزير الخارجيّة الشيخ حمد بن جاسم، والمندوب الروسي لدى مجلس الأمن السفير فيتالي تشوركين، الشهر الماضي، وأفضَت الاتصالات التي جرت ما بين دول مجلس التعاون الى وجوب وصل ما انقطع مع موسكو، لاعتبارات منها ان روسيا ذات وزن وثقل في ضبط الإيقاع الإيراني في منطقة الخليج.
ثانيا: إن ما جرى في مؤتمر «أصدقاء سوريا» في تونس، أعمق أثرا وتأثيرا من الاتصال الهاتفي الذي تمّ ما بين الرئيس ميدفيديف والملك عبدالله، فالمؤتمر الذي انسحب منه الأمير سعود الفيصل احتجاجا، كانت تشارك فيه وزيرة الخارجيّة هيلاري كلينتون، ولم تحصل بوادر أزمة مع واشنطن، فيما سجّلت بوادر أزمة مع موسكو، او بمعنى آخر قد تحتمل المملكة تداعيات بوادر أزمة مع الروس، علما بأنها ليست هي المسبّب، ولا هي المبادر، لكنّها غير مستعدة الى افتعال أزمة مع الأميركييّن، حتى ولو كان الملف السوري ضاغطا، والموقف الأميركي منه على غموض، ومماطلة، ويتأرجح ما بين التصعيد الإعلامي، والمهادنة العمليّة – الإجرائيّة.
ثالثا: إن حسابات الحقل الخليجي هي على البيدر الإيراني لا السوري. صحيح أن الوضع في سوريا فاق كلّ تصوّر بنظر الخليجييّن، ويستدعي حراكا مسؤولا لتدارك الأسوأ، لكن ليست سوريا من يهدد أمن الخليج، بل إيران وفق التوصيف والتصنيف الأميركيّين، ولذلك ترى بعض الدول الخليجيّة أنه من الخطأ الكبير افتعال أزمة مع روسيا نتيجة لمواقفها من سوريا، في الوقت الذي هي فيه بأمسّ الحاجة الى الدعم الروسي لتلافي الخطر الإيراني.
رابعا: تنطلق غالبية دول الخليج من قناعة مفادها أن سوريا – النظام قد أصبحت جزءا من منظومة دوليّة – إقليميّة تحتمي بها، ويصعب اختراقها، وإنّ مدّ المعارضة بالأسلحة، يعني الإمعان في دفع الأمور نحو حرب أهليّة مفتوحة على كل الاحتمالات السلبيّة، لأن النظام له أيضا الكثير من الأيدي الخارجيّة التي تمدّه بالدعم والمؤازرة، وهذا يعني تحويل سوريا مع مرور الوقت، الى عراق ثانية في المنطقة، أقاليم مذهبيّة، وحروب مستمرة، وسيارات مفخخة وعمليات انتحاريّة، وأيضا إطلاق يد إيران في المنطقة مع ما قد يسبب ذلك من تداعيات على سائر الدول التي تنعم اليوم بالأمن والاستقرار، او التي تعتقد بأنّ أنظمتها أقوى من أن تنال منها رياح التغيير.
خامسا: تشعر بعض دول الخليج بأن الوقت قد حان للامتثال الى صوت الحكمة والعقل، والسعي الى خيار ثالث ما بين إصرار النظام على القمع، وإصرار المعارضة على إسقاطه، ومثل هذا الخيار لا يمكن بلوغه إلّا عن طريق التشاور والتنسيق ما بين موسكو وواشنطن، وعواصم الدول المعنيّة، على أن تلعب دول مجلس التعاون الدور المسهّل للتوافق.
إنّ اجتماع الرياض – إذا ما انعقد وفقا لِمَا هو مخطط له – سيعيد الاعتبار لـ موسكو، وأيضا للمبادرات العربية تجاه سوريا، إلّا إذا كان الصراع الدولي على خيرات المنطقة قد بلغ مرحلة اللاعودة؟!. 

