يُقال إنّ “كثرة التكرار تعلّم الحمار”. لا شكّ في أنّ حكمة ما تقف وراء هذا المنطق، العلمي إلى حدّ ما. لكنّ ينبغي أن تكون حمارا لتستفيد من التكرار. أمّا إن كنت من بني البشر فالأرجح ألاّ يفعل التكرار فيك، أي في تعليمك، أمرا مجديا. بل الأرجح أن يذهب بك إلى ضدّ مقصده، إلى أن تطفش أو أن تكفر بالتعليم وبالمعلّم. أكثر من هذا، إذ ربّما يجعلك هذا التكرار تستنج بالمنطق بأن فحوى مؤدّاه فاشل. فيصير التأكيد بالتكرار، وبتكرار التكرار دون إضافة أو “تنويع” دليلا قاطعا على عدم صدقيّة المعلّم الصيّاح، وعلى فقدانه قوّته، وإلاّ لما…
هكذا نجد أنفسنا، شرقا غربا، أمام تكرار منفّر. عندنا، مثلا، حاول أن تحصي في اليوم الواحد ورود كلمة “داعش” في الإعلام. كلّ أنواع الإعلام، في سياق محاربة داعش أو وصف الترياق ضدّ داعش، أو أضرار داعش، أو فضح خطط داعش، أو أصول همجيّة داعش. صياح وتفجّع وندب. والحصيلة أن داعش تتقدّم، وتعزّزها بالبيعة أخوات لها مُزايدات على أساليبها. وبما أنّها لا تقرأ تحليلات المحلّلين إلاّ للإفادة من تخبّطهم في ادّعاء الفهم والتفهيم، فهي لا ترتدع ولا ترتدّ عن غيّها أو ظلمها أو همجيّتها أو”تشويهها للدين”. التوعية الملقاة على عاتق المتنوّرين، تقابلها ال”شعوب”.
وفي تعليقاتها تقول الشعوب رأيها، على الإنترنت مثلا، حيث يستمر الدين في كونه المرجع الوحيد لأحكام الجماهير، مقتربة بهذا القدر أو ذاك من أحكامه. الأنظمة، مديرة هذا الإعلام لا تجد في نشر موقفها سوى الإيعاز إلى إعلامها بال..تكرار. و.. داعش تتقدّم. ليس عسكريا فقط. إنها بسطوتها “الثقافيّة” العابرة للحدود والأمم تحيل القياس وأدواته وأجهزته ووحداته إلى مختبرها… كلّما سأل أحدهم محلّلا ما عن نهاية محتملة ولو في الخيال لداعش أصيب الرجل بالعيّ. ثمّ أردف: إنّ “المعركة” طويلة.. جدا. وحين يُسأل بالعقود؟ بالقرون؟ يبتسم المحلّل. هكذا شرقا غربا.
هنا، في فرنسا، يقترن تكرار الكلام عن داعش بما يشبهه عن حزب لوبن اليميني المتطرّف. فهو، عدا عن استفادته الكبيرة والمتصاعدة من “ألق” داعش، يتقدّم مثلها ويدبّ دبيب الوحوش في الإستطلاعات التي سبقت الإنتخابات الأخيرة. ثمّ صدّقت الإنتخابات على الإستطلاعات. لا حاجة لهذا الحزب لتكرار”باقية باقية”، أو قادمة قادمة، لأنها قدمت وستبقى بالفعل وإلى أن شاء غرام الجماهير بالديمقراطيّة. يشير إلى هذا التقدّم المضطرد والذي بات لا مردّ له خطابُ اليمين الجمهوري كما خطاب اليسار الإشتراكي. خلال أقلّ من عشرة أيّام تكلّم على شاشات التلفزيون الفرنسي مئة وثلاثة عشر مسؤولا سياسيا فرنسيا عن أخطار حزب لوبن وعن وجوب ردعه ومحاصرته، مقابل ستة منتمين إلى هذا الحزب. جاءت نتائج الإنتخابات لترسّخ وجوده وتجذّره، لكن الكلام بقي حيث كان قبل الإنتخابات ثمّ بعدها.أحد الفكاهيين قال معلّقا “طيّب. استعدّوا إذن لتسلّم مارين لوبن سدّة الرئاسة. خلص. انتهى الأمر”.
هل نقول شيئا مشابها؟ ونستعد لتعلّم “صليل الصوارم”، على غرار “أهلا وسهلا بالعدوّ الإسرائيلي”، مثلما كانت فعلت إحدى القرى الجنوبيّة اللبنانيّة لشدّة ما كرّر المتقاتلون المقاومون فيها وحولها تحذيراتهم من فظاعات الإحتلال الإسرائيلي، فاستبقت اجتياح الجيش المحتل بلافتة راحت مثلا…
ماذا تفعل إن لم يعلّمك التكرار؟ وبقيت زعلان حردان زهقان؟ تقلب المشاهدة إلى قنوات تراعي مشاعرك، حيث ستجد من البرامج ما يسلّيك ويلهّيك ويطيل بعمرك. فواضعو البرامج هم وحدهم الخلاّقون المبدعون في هذه الأيّام ال.. صعبة. وفي جديدهم ما يروّق المزاج و”يحملك” حملا من كنبتك إلى عالم مشوّق. من تلك البرامج الفرنسيّة الجديدة عالية المشاهدة برنامج “آدم يبحث عن حوّاء”، حيث في ديكور طبيعي يشبه جنّة عدن – يا حرام على عدن – تتعرّف الباحثة عن الحب، كما الباحث عن إمرأة أحلامه، على شريك القلب “على الطبيعة”، بكلّ صدق وبلا زيف المجتمع. أعني بدون ماكياج وبدون ثياب. العري الكامل شرط الإشتراك في برنامج الواقع هذا. طيّب، لم لا؟ المزاج الفرنسي يروح إلى هناك فلنلحق به…
هناك خيار آخر. فقد وجد أحد سكّان مدينة “نانت” الفرنسيّة حلاّ بديعا لمحاربة أفكار حزب لوبن الكاره للمهاجرين. على مقاس قدراته الفرديّة. تزوّج الرجل من تسع عشرة إمرأة مهاجرة، معظمهن من أصول إفريقيّة، وجميعهنّ بلا أوراق إقامة ومهدّدات بالطرد. ولكي يقوّي موقعهنّ من أجل الحصول ليس فقط على إقامة شرعيّة بل على الجنسيّة الفرنسيّة، أعلن الرجل إن النسوة أنجبن منه تسعة عشر طفلا، بالحلال والشرع. أكاد أقول على سنّة الله ورسوله…

