غليون.. والخيار المرهون

أكّدت أمس الولايات المتحدة الأميركية على لسان وزيرة خارجيتها والمرشّحة إلى الرئاسة المقبلة هيلاري كلينتون، تمسّكها ببرهان غليون كرئيس لما يسمى «المجلس الانتقالي السوري»، وأعطت توجيهاتها بذلك في السرّ وفي العلن، مدّعيةً ـ وبئس الادّعاء ـ أنها لا تتدخّل في الشؤون السورية، إنما «هي تساعد الشعب السوري على بلوغ الديمقراطية التي يستحقها».
هذا ما أكدته كلينتون، وما أوعزت به، ولكن، أي ديمقراطية هي التي تنادي بها؟ هل تبدأ ديمقراطية أميركا بدعم العصابات بالسلاح والعتاد والتحريض والأموال، مباشرةً أو عبر أزلامها في المنطقة كمن سمعناهم منذ أيام يخطبون في «البيال»، وكمن نراهم يومياً يلهثون في جامعتهم «العربية» ومجلسهم التعاوني الخليجي لاستصدار قرارٍ أممي يدعو إلى كسر شوكة سورية؟

وهل تنتهي ديمقراطية أميركا في زرع الفتنة والشقاق والتفرقة بين المواطنين السوريين الذين لم نسمع يوماً خلال السنوات الماضية أن أحداً منهم قال بـ«السنية» أو طالب لـ«العلويين» أو نصر «المسيحيين»؟ فبئس الديمقراطية التي تفرّق وتقتل وتدمّر وتعيث فساداً في الأخلاق وتميت القيم وأهمها قيمة البطولة وحق المقاومة.
أما غليون، فمن المؤكّد أن أساريره فرجت، وملأت ثغره ابتسامة عريضة، وصدره انشرح، وباله في أحلام الكرسي «سرح»، وهو الذي لم يجمع عليه لا «مجلس انتقالي» ولا حتى أي معارضةٍ من المعارضات التي لا لون لها، ولا كلمة، ولا حتى أي قرارٍ يمكن لأي مراقبٍ للأوضاع السياسية أن يبني عليه أي رؤية مستقبلية، سوى أن هذه المعارضات تنفّذ الأجندة الأميركية بحذافيرها، من فبركة التظاهرات، إلى فبركة الأحداث من ناحية، إلى التعدي على المواطنين السوريين العزّل عبر تفجيراتٍ تحمل بصمات «أميركية ـ أصولية»، أو على الجيش السوري ورجال الأمن عبر العصابات المسلحة التي لم يعد يخفى على أحد كيف تموّل وأين يجري تدريبها.
لنفترض على سبيل المثال، أن ثمة معارضة في سورية، وليسمّها من شاء بما شاء، «مجلس وطني»، أو «مجلس انتقالي» إلخ، ولنفترض أن برهان غليون المولود في مدينة حمص عام 1945، والذي يحمل الجنسيتين السورية والفرنسية يقود هذه «المعارضة»، فهل يمكن لغليون أن يكون أهلاً للمهمة التي رهنته بها كلينتون وأميركا؟  كيف يمكن لمعارضٍ (من المتعارف أن أي معارضة هي موجودة من أجل تحسين الأوضاع ونقل البلاد إلى حالة أكثر تطوراً وحرية) أن يرهن نفسه منذ بدايات تحركه؟ كيف يمكن لمعارضٍ أن يكون أداةً في يد أكبر قوّة استعمارية في العالم ولا حاجة إلى عاقلين لإثبات أن الولايات المتحدة الأميركية تضمر الشرّ دائماً وأبداً لبلادنا وتتربص بثرواتها؟
كيف يمكن لمعارضٍ أن يعلن ولاءه لـ«إسرائيل»، وأن يجاهر ببناء علاقاتٍ مميزة معها وهي الكيان الذي اغتصب أرض فلسطين، ويحتل الجولان، وفتك بجنوب لبنان؟

هل تعني المعارضة من وجهة نظر غليون وأمثاله تقديم سورية إلى الولايات المتحدة الأميركية على طبقٍ من فضة؟ وما ثمن ذلك؟ أهو كرسي عاجي المظهر خاوي المضمون؟ أم أموال تتدفق عليه كلما احتاجها في فنادق كاليفورنيا أو كازينوهات لاس فيغاس؟

أي حريّة للشعب السوري ينادي بها وهو يرى يومياً ما يفعله «المعارضون» الدمويون منفّذو أوامر أميركا وغيرها في سورية؟ وأي ديمقراطية يبشر بها وهو الذي ينسف كل يوم أي مشاريع إصلاحية يقوم بها الرئيس بشار الأسد وليس آخرها الدستور الجديد؟ وأي كرامة ينشدها وهو المرتهن والخانع والتابع؟
عذراً يا غليون، فبرهانك غير مقنع، وشعاراتك الأميركية ولّى عليها الزمن، ولإنعاش ذاكرتك فقط، فقد أتت بها سابقاً إنما بمظهرٍ مختلف، أتت بها على بارجة «نيو جيرسي» عام 1983 حين ضربت بيروت ودكّت أبنيتها قاتلةًُ أبناءها وأطفالها ونساءها، ولقد أتت بتلك الديمقراطية في حربٍ استعملت فيها شتى أنواع اسلحة الدمار الشامل في العراق، ولم تخرج منه إلا بعد أن أمّنت أمرين مهميّن: قتل مئات الآلاف، والسيطرة على المقومات الاقتصادية لا سيما النفط. ولقد جاءت أميركا بالديمقراطية سابقاً بحوالى ستين «فيتو» ضد قرارات تدين «إسرائيل» أو تدعم الفلسطينيين والسوريين واللبنانيين.
أخيراً، لا بد من تذكير غليون وغيره، أن أي حرية إن لم تنبع من إرادة الشعب وصميمه، هي زائفة، لا بل هي عارٌ إن أتت من خلال دولةٍ أخرى، فكيف إن كانت تلك الدولة محتلة مستعمرة ومهددة بلادنا في كل لحظة؟
 

السابق
الحياة: بري يشغّل محركاته ويلتقي عون لتفادي الأزمة والحكومة تصر على مرسوم النقل رفضاً لسابقة تعطلها
التالي
لقاء طبّي في مستشفى حيرام