نائب سلفي يقطع جلسة البرلمان المصري لرفع الأذان. الأمر قد لا يعدو كونه من الشكليات الدينية التي لا يملك السلفيون سوى الالتزام بها. ومع التسليم بأن الدين يولي أهمية لما هو «شكلاني» بوصفه مفضياً إلى ما هو «مضموني»، فإن أزمة التديّن السلفي تكمن في تغليب الشكل على المضمون، والأداة على المقصد، والهامش على المتن.
الحراك السلفي، في ظل الثورات العربية، آخذ في التبلور على شكل تنظيم عالمي وقابل للتصدير. الموقف السلفي كسر حاجز القطيعة مع السلطة وانتقل من حرمة المشاركة بها الى وجوب الانخراط فيها. تحول السلفية من المجتمع إلى السلطة يحمل خطورة الانتقال من سطوة معنوية محدودة على جماعة إلى سطوة فعلية تطال المجتمع كله. السلفية الدينية تعيد إنتاج ذاتها في السلطة على شكل سلفية سياسية. ثلاثية التكفير والتهجير والتطهير هي الإطار السياسي الحاكم لبرنامج عمل السلفيين. المقاربة «السلفية» لمسألتي الاجتماع والسياسة لا تقف عند حد رفض الآخر، بل تتعدى إلى ضرورة تغييره وإخضاعه. المشاركة السلفية في السلطة تتحرك على أرضية الديموقراطية لممارسة الإقصاء باسم الدين. رؤية السلفيين للحكم تحرّم معارضة الحاكم ولو كان ظالماً، فكيف ستكون رؤيتهم لمن سيحاول معارضتهم وهم»أهل الحق» في الحكم؟
العقل السلفي لا يأخذ بعاملي الزمان والمكان وأحوال العصر في استنطاق النص الديني. هو يفهم الوحي بطريقة «حروفية» ويطبقه بطريقة «ميكانيكية».. والأخطر أن ارتدادات الممارسة السلفية لا تقتصر على أصحابها بل ترتد على الإسلام والإسلاميين على حد سواء.. هذا والمفارقة تكمن في توفر مخزون تبريري لدى السلفيين يستفيدون منه عند خروجهم عن المألوف، كما هي الحال في انفتاح بعضهم على إسرائيل، والتزامهم بـ«كامب دايفيد» على قاعدة وجوب التزام المسلم بالعهود والمواثيق!
غير أن النزوع إلى السلفية يتصل قبل كل شيء بآليات مجتزأة في فهم الدين ومقاربات جامدة في التعامل معه، منها:
– التمسك بالاعتقاد من دون الإيمان. الأول يتعلق بالذهن، ومآله إلى التحجر ما لم يكن مقروناً بالقلب.. الثاني يتعلق بالقلب وهو مشترك بين كل المؤمنين. المعتَقِد يحب عقيدته والمؤمن يحب الله الذي يرى فيه تجلياً للحقيقة. (ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم).
– اخذ ما هو تدبيري إنساني في السيرة مكان ما هو تشريعي. الأول عبارة عن أفعال يقوم بها النبي بما هو بشر، من دون أن تكتسي بصفة الإلزام أو أن يكون المطلوب تسريتها إلى كل زمان ومكان.. الثاني إلهي ومُلزم بوصفه موحى به من السماء. (على سبيل المثال اعتبار السلفي لباس النبي سنّة يجب الاقتداء بها).
– تحويل التعاليم الدينية المقيدة بظروف تاريخية إلى مطلقة ومتحررة من أي قيد..
– تغليب الأحكام التشريعية (الفقهية) على القيم الدينية (الأخلاقية)، مع أن الثانية ثمرة الأولى وإحدى غاياتها (إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق).. فأزمة الأداء السلفي تقديسه الأحكام وتهميشه القيم. مثلاً، من يُخلّ بأي التزام تشريعي، من قبيل عدم الالتزام بإطالة اللحية، يصار إلى إخراجه فوراً من زمرة المؤمنين. أما الاتصاف مثلا باللؤم والبخل وسوء المعاشرة والتدليس و.. بما هي أمور قيمية، فلا ينتقص من التدين في شيء!
مشاركة السلفيين في السلطة أمر مشروع ما دام وصولهم إليها قد تم عبر صناديق الاقتراع، لكن المشكلة معهم عدم إيمانهم بأصل مبدأ الانتخاب الذي أوصلهم ورفضهم لشرعية السلطة التي وصلوا إليها.
بالأمس، صورة رجل سلفي بدلاً من صورة زوجته المرشحة إلى البرلمان، فهل نشهد صورة «الإمارة» مكان الجمهورية و«البيعة» بدل الانتخاب؟

