تسعى واشنطن وحلفاؤها الغربيون والعرب عبر تصعيد حملة التجني والافتراء ليس فقط ضد سورية، بل أيضاً ضد كل من روسيا والصين للتعويض عن الصفعة التي تعرض لها المشروع الذي كانت قدمته هذه الأطراف إلى مجلس الأمن يوم أول من أمس السبت، لكنه سقط بعد استخدام "الفيتو" من قبل روسيا والصين لأن القرار المذكور يستهدف سورية واستقرارها ويتعاطى مع الوضع في سورية من منظار انحيازي فاضح إلى جانب ما يسمى المعارضة وخاصة "مجلس اسطنبول" الذي يراهن وما زال على التدخل الأجنبي.
وقد حاول الحلف الغربي المدعوم من العرب المتأمركين بمن فيهم أمين عام الجامعة العربية نبيل العربي تصوير واقع الأمور في سورية على غير حقيقته، من خلال إطلاق المواقف الاتهامية المزعومة بحق السلطة في سورية وتحميلها مسؤولية ما يحصل من عنف، على الرغم مما كان تضمنه تقرير فريق المراقبين العرب الذي أكد بشكل واضح بأن العنف يأتي من المجموعات الإرهابية المسلحة. وفي الوقت نفسه أوعز الحلف الغربي مع من يؤيده من أنظمة عربية إلى المجموعات المسلحة بعد سقوط قرارهم في مجلس الأمن إلى تصعيد العنف خاصة في مدينة حمص لإيهام العالم بأن الحكومة السورية وراء ما يحصل، بينما الواقع هو عكس ذلك تماماً.
وكانت روسيا والصين استخدمتا حق النقض "الفيتو" في مجلس الأمن أول من أمس ضد مشروع القرار الذي تقدم به مندوب المغرب باسم الجامعة العربية وباسم الدول الغربية والذي ينص صراحة على المساس بسيادة سورية ويتدخل في شؤونها الداخلية وذلك بعد إصرار الغرب ومعه حلفاؤه العرب على رفض التعديلات التي تقدمت بها روسيا على مشروع القرار.
جلسة مجلس الأمن و"الفيتو"
وكان مندوب روسيا لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين أكد في كلمة أمام المجلس أن روسيا عملت بفعالية لوضع قرار موضوعي يسهم فعلاً في وقف العنف فوراً، وبدء عملية سياسية فيها. وأوضح أن مشروع القرار الذي طرح للتصويت لم يعكس بصورة دقيقة الوقائع في سورية، وكان سيرسل إشارات غير متوازنة للأطراف السوريين.
بدوره، أكد مندوب الصين في مجلس الأمن لي باو دونغ أن تصويت بلاده ضد مشروع القرار بشأن سورية جاء بعد متابعة عن كثب للتطورات فيها، مشدداً على ضرورة أن تلتزم أفعال مجلس الأمن بشأن الأزمة السورية بالمبادئ الأساسية لميثاق الأمم المتحدة وتساعد على تخفيف التوترات وتعزيز الحوار السياسي وتحقيق السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بدلاً من أن تزيد من تعقيد الأمر.
ومن جهته، أكد الدكتور بشار الجعفري مندوب سورية الدائم في الأمم المتحدة أن سورية هي ضحية أزمة افتعلتها أطراف لا تريد الخير لها ولشعبها، من خلال دعم مجموعات مسلحة إرهابية بالمال والسلاح والتغطية الإعلامية، لتقوم بقتل واختطاف المواطنين وترويعهم وتدمير وتخريب البنى التحتية.
وشدد الجعفري على أن سورية لن تنتظر دروساً في الديمقراطية وحقوق الإنسان من دول تتعامل مع هذين المفهومين كما تتعامل مع عمليات البيع والشراء الانتهازية في سوق الأسهم المالية، لافتاً إلى أنها ستنعم بالاستقرار والأمان كما كانت دائماً وستبقى وطن التسامح والانفتاح لكل أبنائها.
وأوضح أن بعض الدول العربية المتبنية لمشروع القرار هي نفسها التي منعت الجامعة من اعتماد المبادرة المتكاملة التي تقدمت بها سورية بشأن تعزيز مسيرة الديمقراطية والإصلاح وحقوق الإنسان في الدول العربية.
وأكد الجعفري أنه لو توقف القتل وانكفأ الذين يتشدقون بالديمقراطية عن تنفيذ المخطط المرسوم ضد سورية، لكانت قد أوفت بتنفيذ خطة العمل العربية والبروتوكول بشكل تام.
لا قطر بعد اليوم!
وفي تسجيل بثته القناة الفرنسية الثانية: أن مشادة كلامية وقعت بين المندوب الروسي تشوركين ووزير خارجية قطر حمد بن جاسم، حيث وجه بن جاسم الكلام لمندوب روسيا قائلاً: "أحذرك من اتخاذ أي فيتو بخصوص الأزمة في سورية، فعلى روسيا أن توافق على القرار وإلا فإنها ستخسر كل الدول العربية". فرد الروسي بكل هدوء أعصاب: "إذا عدت لتتكلم معي بهذه النبرة مرة أخرى، لن يكون هناك شيء اسمه قطر بعد اليوم".
زيارة لافروف إلى دمشق
في سياق متصل، يقوم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف يرافقه رئيس الاستخبارات الروسية ميخائيل فرادكوف يوم غد بزيارة إلى سورية للقاء الرئيس الأسد وكبار المسؤولين السوريين والتباحث معهم بالوضع في سورية بعد جلسة مجلس الأمن.
وأوضحت الخارجية الروسية أن الوفد الروسي سيبحث مع الرئيس الأسد في إجراء إصلاحات ديمقراطية سريعة. وقالت إن روسيا متشبثة، خلال التفاعل مع دول أخرى، بتسريع استقرار الوضع في سورية عبر تنفيذ سريع للإصلاحات الديمقراطية التي طال انتظارها.
وأشارت إلى أن "موسكو تأمل أيضاً أن تتخذ اللجنة الوزارية العربية في اجتماعها المقبل القرار بتمديد مهمة المراقبين العرب في سورية، التي أثبتت فعاليتها بأن تكون عاملاً لتقليص تصعيد العنف في سورية".
كما أكدت أن روسيا انتهجت منذ بداية الأزمة في سورية خطاً يرمي إلى إيجاد تسوية سريعة للأزمة عبر حوار سوري داخلي، وقامت لهذا الهدف بعمل مكثف مع القيادة السورية والمعارضة والدول الرئيسية في المنطقة والعالم.
من جهته، حمل نائب وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف "الدول الغربية مسؤولية فشل التصويت في مجلس الأمن الدولي"، موضحاً أنها "لم تبذل الجهد الكافي للتوصل إلى توافق حوله".
الاسد يشارك باحتفال المولد النبوي
وفي دمشق، شارك الرئيس الأسد امس في احتفال ذكرى المولد النبوي، وبعد أن صافح مستقبليه توجه إلى داخل حرم المسجد حيث أدى الصلاة التي أمّها الشيخ محمود عبيد إمام مسجد الروضة.
وقد ألقى وزير الأوقاف السوري محمود عبد الستار كلمة بالمناسبة قال فيها: إن سورية عصية على أعدائها وإن شعبها لن يتهاون بسيادة بلاده لأن سورية ستبقى مضرب المثل في وحدتها الوطنية وتآلفها الديني، وهي بمقوماتها الحضارية والتاريخية عصية على المتآمرين وعلى كل من يريد النيل منها، وأن سورية لا يمكن أن تتنازل عن كرامتها لأنها أغلى ما تملك. مسيرة ضخمة في دمشق
وفي دمشق أيضاً، تجمعت أمس حشود كبيرة من المواطنين السوريين في ساحة السبع بحرات رافعين الأعلام الروسية والصينية والعلم السوري وصور الرئيس الأسد تعبيراً عن شكر الشعب السوري لمواقف موسكو وبكين.
صالحي يحذر من انفجار المنطقة
في المواقف أيضاً، أكد وزير الخارجية الإيراني علي أكبر صالحي أن التدخل العسكري في سورية سيؤدي إلى انفجار المنطقة بأكملها، مبدياً استغرابه من نقل الجامعة العربية ملف الأزمة السورية إلى مجلس الأمن في وقت كانت مهمة المراقبين العرب متواصلة.
كما أكد صالحي في مقابلة مع قناة المنار مساء أول من أمس أن روسيا والصين تدركان المخطط الغربي الذي يرسم لتقسيم المنطقة، وحذر من تداعيات أي فوضى محتملة في سورية على هذه المنطقة بأكملها.
وحول دور قطر في الأزمة السورية حذر صالحي من "تجاوز البعض للخطوط الحمر بحيث يصل إلى نقطة اللاعودة".
الجامعة العربية
في هذا الوقت، أعلن الأمين العام للجامعة العربية نبيل العربي "أن الجامعة ستواصل جهودها لحل الأزمة السورية رغم فشل مجلس الأمن في دعم خطتها التي تهدف إلى تفادي أي تدخل عسكري في سورية".
وفي هذا السياق، ذكرت مصادر في الجامعة العربية أن اجتماع وزراء الخارجية العرب المقرر في الحادي عشر من الشهر الحالي سيتم تأجيله بعد سقوط خطة الجامعة في مجلس الأمن.
حملة غربية بالجملة
أما في المواقف الغربية، فقد لجأت واشنطن وحلفاؤها الغربيون إلى تصعيد الحملة السياسية ضد سورية وأيضاً ضد روسيا والصين، فادعت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون أن استخدام "الفيتو" "أمر فظيع" كما دعت ـ من وصفتهم ـ أصدقاء سورية الديمقراطية إلى التوحد ضد الرئيس الأسد وقالت: "علينا أن نضاعف جهودنا من خارج الأمم المتحدة".
بدوره، اتهم وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ روسيا والصين بأنهما "تديران ظهرهما للعالم العربي"، داعياً للمضي "في العمل من أجل وضع حد للعنف في سورية".
كما دعا وزير الخارجية الألماني غويدو فيسترفيلله إلى "إنشاء مجموعة اتصال دولية للمساعدة على وقف إراقة الدماء في سورية"، مشدداً على أن "تضطلع كل من تركيا وجامعة الدول العربية بدور رئيسي في تشكيل مثل تلك الهيئة".
وكذلك أعلن وزير الخارجية الفرنسي ألان جوبيه "أن أوروبا ستشدد العقوبات على سورية"، معلناً بكل وقاحة "أن بلاده ستساعد المعارضة السورية على تنظيم نفسها".
كذلك أعرب وزير الخارجية الهولندي يوري روسنثال عن "خيبة أمله" لاستخدام روسيا والصين حق النقض (فيتو) ضد قرار مجلس الأمن بشأن سورية.
من جهتها، دعت اليابان الحكومة السورية "لوقف العنف فوراً والاستجابة للمبادرة العربية لحل الأزمة".
تركيا تنفي "الشائعات" عن التدخل!
وفي أنقرة، استنكرت الخارجية التركية "الفيتو" الصيني ـ الروسي مشددة على "ضرورة ألا يشكل رفض القرار ذريعة للنظام السوري لارتكاب المزيد من الأخطاء".
لكن المتحدث باسم الخارجية التركية سلجوق أونال نفى "الشائعات الإعلامية" عن أن وزيري خارجية بلاده أحمد داود اوغلو وكلينتون اتفقا أثناء اجتماعهما على هامش مؤتمر ميونيخ الـ48 للسياسات الأمنية، على التدخل العسكري في سورية.
وقال أونال: "إن الوزيرين بحثا مشروع القرار في مجلس الأمن بشأن سورية ولكنهما لم يتطرقا إلى مسألة التدخل العسكري في هذا البلد".
"التعاون الإسلامي" تأسف
من جهتها، أعربت منظمة التعاون الإسلامي عن "أسفها العميق لفشل مجلس الأمن في التوصل لاتفاق حول مشروع القرار بشأن سورية المقدم من المغرب باسم المجموعة العربية الذي كان يدعو إلى تسوية الأزمة فيها والوقف الفوري لجميع أعمال العنف".
"مجلس اسطنبول"!
كذلك استنكر ما يسمى "المجلس الوطني السوري" استخدام روسيا والصين للفيتو مدعياً "أن هذا "الفيتو" يعتبر رخصة ـ لما زعمه ـ القتل من دون محاسبة".
أما ما يسمى "الجيش السوري الحر" فهدد بمزيد من الاعتداءات والعمليات الإرهابية، زاعماً أنه "انتقل إلى مرحلة الهجوم على النظام".
وقادة العدو يدعمون "مجلس اسطنبول"
وقد تلاقت المواقف الأميركية والغربية وما يسمى "مجلس اسطنبول" مع مواقف قادة الاحتلال "الإسرائيلي" الذين "استنكروا الفيتو الروسي والصيني". وزعم رئيس حكومة المتطرفين في القدس المحتلة بنيامين نتنياهو "أن الجيش السوري يذبح شعبه".
كذلك استنكر نائب رئيس حكومة العدو سيلفان شالوم استخدام روسيا والصين لحق النقض الفيتو قائلاً: "إن سقوط سورية من شأنه أن يؤدي إلى سقوط إيران وسيطرة الغرب على كل النفط في الخليج".
من جهتها، قالت رئيسة المعارضة الصهيونية تسيبي ليفني "إن العالم لا يمكنه أن يتخذ موقف اللامبالاة حيال ما يحدث في سورية".
الملف الحكومي
أما على الصعيد الداخلي اللبناني، فإن الأنظار تتجه إلى الاتصالات والمساعي التي ستتحرك اعتباراً من اليوم سعياً وراء الوصول إلى "تفاهمات" تفضي إلى حلحلة الخلاف ما بين رئيس الحكومة نجيب ميقاتي والعماد ميشال عون حول آلية التعاطي مع التعيينات الإدارية وبالتالي الوصول إلى رؤية حول كيفية إدارة عمل مجلس الوزراء.
وقالت مصادر وزارية في هذا السياق إنه لا بد من التفتيش عن مخارج للمشكلة التي تواجه مجلس الوزراء. ورأت أن أحداً ليس له مصلحة في هذه اللحظة السياسية "بفرط" الحكومة، ولذلك فالجميع يرغب في التفاهم على آلية لعمل مجلس الوزراء تحترم مصالح الجميع ولا تتناقض مع الدستور.
وفي هذا السياق، تتطلع الأوساط إلى الرئيس بري كالعادة للتدخل من أجل تسوية الأزمة واستئناف جلسات مجلس الوزراء، إلا أنها قللت من أهمية أسباب ما حصل، مشيرة إلى أن ذلك لا يستدعي التدخل من الرئيس بري، مع العلم أنه حسب المعلومات المتوافرة فإن الرئيس ميقاتي يتوقع أن يزوره اليوم في عين التينة.
وكان ميقاتي أوضح في حديث له أمس أنه "لن يقرر دعوة مجلس الوزراء للانعقاد إلا بعد وضع صيغة لتفعيله".

