يستمرّ الانقسام في الرأي والتوقعات اللبنانية إزاء الأزمة السورية، على وقع ما تشهده هذه الأزمة من تطورات ميدانية، وعلى مستوى المواقف العربية والدولية المنقسمة هي الأخرى حول سبل معالجة هذه الازمة، بين تعريب وتدويل وما بينهما.
وهذا المشهد اللبناني لم يطرأ عليه أيّ جديد، فقوى 8 آذار ما تزال عند رهانها بأن نظام الرئيس بشار الأسد سيخرج من الأزمة، فيما قوى 14 آذار ما تزال هي الأخرى على رهانها بأن هذا النظام سيسقط. والواقع انّ رهانات الفريقين كليهما تعكس ما هي عليه حقيقة مواقف القوى الاقليمية والدولية المؤيدة للنظام او المعارضة له.
وعلى رغم الانقسام اللبناني حول سياسة "النأي بالنفس" التي تعتمدها الحكومة إزاء الازمة السورية لتجنيب لبنان أي انعكاسات سلبية على الداخل اللبناني الهش، فإن هذه السياسة أثبتت في رأي مرجع لبناني كبير جدواها، على رغم ما يَعتمِل الشارع من تشنّج طائفي ومذهبي بفعل اندفاع هذا الفريق او ذاك الى التدخل في الشأن السوري سلباً أو إيجابا، بغضّ النظر عمّا يحصل على الحدود.
ويرى هذا المرجع أن لا مناص للبنان من الاستمرار في هذا "النأي الحكيم"، أيّاً يَكُن ما ستؤول اليه الأزمة السورية، ويقول إن هذه الأزمة هي أعمق بكثير ممّا نتصوّره نحن أو يتصوّره غيرنا، وهي مرشحة للاستمرار طويلاً، لأن ما يجري على الاراضي السورية هو صراع إقليمي ودولي على سوريا، وفي الإمكان القول إن هذه الازمة لن تنتهي قبل نهاية السنة على الأقل، إلا في حال حصول تطور مفاجىء أو غير متوقّع يُنهيها سريعاً.
لماذا حتى نهاية السنة؟ يجيب المرجع مؤكداً أن اعتقاد البعض بأن النظام سيسقط بعد شهر أو أشهر، أو حتى سنة، هو اعتقاد غير واقعي، ويقول: "الجَمَل بنِيِّة والجَمّال بنِيِّة والحِمِل بنِيِّة" (حسب المقولة الشعبية اللبنانية)، فخصوم النظام يحاولون الاستثمار سياسياً وانتخابياً ولذلك يضغطون لإسقاطه، والنظام في الوقت نفسه يدرك أهدافهم وغاياتهم الانتخابية وغيرها، ويتصرف في الاتجاه الذي يمنعهم من الوصول إليها، علما أن أحدا لا يمكنه التكهّن من الآن من الذي سيفوز في الاستحقاقات الانتخابية التي يربطها أصحابها بـ"الساعة السورية".
ويقول المرجع إنّ الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يراهن على سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، معتقداً أنّ هذا السقوط سيرفع من رصيده في الانتخابات الرئاسية الفرنسية التي يطمح للفوز خلالها بولاية رئاسية جديدة، في 28 نيسان المقبل. والرئيس الأميركي باراك أوباما هو الآخر يراهن على سقوط أو إسقاط النظام السوري للفوز بولاية رئاسية جديدة في تشرين الثاني المقبل. لكن من يضمن أنّ ساركوزي وأوباما سيفوزان او سيفشلان في ضوء ما سيكون عليه وضع النظام السوري سلباً او إيجاباً؟
والى ذلك، يضيف المرجع: إذا كان أوباما وساركوزي يراهنان، بل يعملان لإسقاط النظام السوري ليكسب كل منهما ولاية رئاسية جديدة في البيت الابيض وقصر الإليزيه، فإن رئيس الوزراء الروسي فلادمير بوتين يدعم هذا النظام فيما يستعد لخوض الانتخابات الرئاسية الروسية في آذار المقبل، طامحا الى ان يفوز بها خلفا للرئيس الحالي ديمتري ميدفيديف.
ويقول هذا المرجع إنّ المتعاطين بالأزمة السورية، ولا سيما منهم جامعة الدول العربية، يخطئون في التعاطي مع هذه الأزمة عبر محاولة إسقاط النماذج المصرية والتونسية والليبية واليمنية عليها، لأنّ سوريا بجغرافيتها السياسية وتنوّعها الطائفي والمذهبي ليست كمصر أو ليبيا أو تونس أو اليمن. ويشير الى أنّ دائرة الانقسام العربي، بين مؤيّد لنظام الاسد ومعارض له، بدأت تتوسع، وعلى الأقل ظهر حتى الآن ان دول العراق والجزائر وعُمان ولبنان والسودان لا تؤيد سقوط النظام ولا تدويل الازمة الذي لن يحصل أصلاً بسبب الفيتو الروسي ـ الصيني، فضلا عن الموقف الايراني الذي يصل الى حد ربط أمن النظام في دمشق بأمن منطقة الخليج، وان المناورات التي أجرتها وتجريها ايران تندرج في هذا الاطار، في الوقت الذي بدأت تركيا مراجعة حساباتها في ضوء الموقف الروسي الذي تبلغته من خلال محادثات وزير خارجيتها أحمد داود أوغلو في موسكو، أمس، مع أخذها في الاعتبار احتمال تحرّك "الجبهة الكردية"، خصوصاً أنّ أكراد سوريا يقفون الى جانب النظام، وكذلك احتمال تحرّك علويّي تركيا في لواء الاسكندرون وغيره، والذين يرفضون سقوط نظام الأسد، وهو نظام يشكّل عمقاً استراتيجيّا لهم…
وفضلا عن ذلك، يرى المرجع نفسه أن العقوبات والحصار الاقتصادي على سوريا لن ينجحا ضد دولة حدودها مفتوحة على دولتين،على الأقل، هما لبنان والعراق. وثمّة معلومات تقول إنّ الحدود السورية ـ التركية ما تزال مفتوحة أيضا، في الوقت الذي تتميز سوريا عن كثير من دول المنطقة في قدرتها على الاكتفاء الذاتي. ولذا، لا يُتوقّع أن الحصار سيؤثر فيها مهما طال، لكنه قد يؤثر في بعض التجّار وأصحاب المصالح والاستثمارات، وفي مستوى معيّن من حياة السوريين، إلّا أنه لن يؤدي الى سقوط اقتصادي. 

