في لبنان.. قوانين وعقول مثقوبة

في سماء الغلاف الجوي ثقب. ثقب الأوزون. قلّة تحتفل باليوم العالمي لحماية طبقة الأوزون، وفئة أقل تتحدث عن هذه المشكلة التي تناساها العالم، فيما ثقب الأوزون يتسع كل عام ليهدد الكرة الأرضية وسكانها، لكن لا أحد يرغب في الحديث عن هذه المشكلة.
في لبنان هناك ثقوب كثيرة تشبه ثقب الأوزون. ثقوب في دستوره، في قوانينه، وفي عقول مواطنيه. ثقوب يحاول كثيرون التغطية عليها وإغفالها لكي لا يلتفت إليها الناس ويدركوا مخاطرها. قوانين لبنان المثقوبة لا تمنح مواطناته أي حماية، بل تنزع عنهن أي غطاء يمكن أن يمنع تعرضهن للاعتداء. في عقول اللبنانيين ثقوب أحدثتها أفكار وادّعاءات دينية فرّغت عقول هؤلاء من أي منطق يساعدهم في إنصاف بعضهم البعض.
في لبنان تخلّف يتجذر في عقول بعض مواطنيه وقوانينه، حيث تعامل النساء كمواطنات درجة ثانية، وتستغل كسلع تسويقية، وتتعرض لمختلف أصناف العنف من دون رادع.

في لبنان، صارت قصص نساء معنفات، أو نساء مغتصبات أو نساء تعرضن للقتل، أمورا عادية تتناقلها وسائل الإعلام ببديهية تماثل بساطة جملة «أكل الولد التفاحة». في لبنان، تحارب الأصوات المطالبة بإحقاق الحق، فتخوّن وتتهم بتفكيك روابط الأسر: روابط أسر أشبه بخطوط الطول والعرض الوهمية، روابط تتعزز بسكوت المرأة عن العنف الذي تتعرض له، روابط تقوى ببقاء المرأة تحت رحمة رجل، مهما كانت صفته، والد أو شقيق أو زوج أو حتى مجرد شخص غريب رغب في إشباع رغباته الحيوانية في امرأة لمحها تمرّ على الطريق.
في لبنان ثقوب مجتمعية أسقطت المرأة المطالبة بحقوقها، وحوّلتها من ضحية إلى «خاضعة لعقلية أجنبية»، مثل حالة لطيفة قصير، التي اعتقدت بأن الزواج سيكون خلاصها والحل الوحيد للخروج من «هاجس العنوسة»، لأن في قيم مجتمعنا مهما علا شأن المرأة جلّ ما يجب أن تبتغيه هو أن تكون زوجة صالحة لأحد ما. لطيفة لم تدرك أن الذي سيمنحها اسمه ويخرجها من ذلك «الكابوس» الذي صنعه محيطها، لن يكون إلا جسرا سينقلها من جحيم العزوبية إلى جحيم قفص زوجي، لغته الضرب والأذية والإهانة.

ولأن الطلاق أيضا في قيم مجتمعنا عار على المرأة، ولأن القانون سيحرمها حقوقها لتنال حريتها، حكم على لطيفة بالعيش في منزل رغما عنها لتحتفظ بحقها في رؤية أولادها. وعندما وصلت الحال إلى حدها الذي لا يحتمل كان عليها دفع المال لتنال حريتها من أب أولادها. لكن ذلك لم يشفع لها في العيش بقية حياتها مع أولادها، فظل يلاحقها، معتبراً أنها ما زالت ملكه، إلى أن اختار أن يسرق منها حياتها، لكي لا تكون لأحد غيره!
لم يستطع أحد حماية لطيفة قصير، لا عائلتها التي ظنّت لطيفة أن ابتعادها عنهم سيخفف عنهم وجود مطلقة بينهم، ولا القانون الذي ظلّ يرى حتى آخر يوم من حياتها أن من واجبها إطاعة زوجها. كان الموت هو الأرحم، فأخذ روحها وأراحها من عذابات كثيرة. لكن كثيرات لم يصل بهن الحد إلى ما وصلت إليه لطيفة، وما زلن يتعرضن للموت البطيء، فيعنفن، ويغتصبن، ويضربن، ويتعرضن للإهانة، وفي النهاية يسكتن حفاظا على رابط الأسرة، ظناً منهن أن تحمّل هذه العذابات هو جزء من كونهن زوجات ونساء لبنانيات.

ليس الأمر كذلك، حان وقت الحساب، لن نسكت عن المطالبة بحق كل امرأة لبنانية، لن نقف جانباً لأن بعضهم ملّ من الحديث عن العنف ضد المرأة، لن نرضخ لرجال يريدون باسم الدين أن يتغاضوا عن حقوق اللبنانيات من اجل مصالح ومنافع شخصية، لن نترك من يدعون أنهم يمثّلون الشعب حتى يمنحوا النساء حقوقا حرمن منها بحجج واهية.. سنظل نصرخ ونتظاهر حتى نزيل الثقوب من بلدنا، ونؤمن لنساء مواطنات بعضا من الأمان، تحرسه قوانين تجرّم من يفكر في التعدي عليهن جسديا، أو لفظيا، أو معنويا.  

السابق
الشيخ عبد الأمير قبلان: انهيار المبنى كارثة انسانية
التالي
نجيب ميقاتي شكل لجنة للتحقيق في اسباب انهيار المبنى في فسوح