جاءني الهاتف من سورية، وإذا برفيق وكاتب يساري، يتمنى ألا تجرفنا الدعاية في الموضوع السوري الى بعيد، إذ سنكون وقعنا في أحابيل «المؤامرة». وبحكم أن قناة «الجزيرة» هي المتهم الأول، في رأي صاحبي، فهو ينبه الى مخاطرها، والى وجوب الاستنكاف عن مشاهدتها. وهنا لا يأتي صديقنا هذا ولا سواه، على ذكر قناة «العربية» التي تقدم مادة خبرية شبيهة بما تقدمه ضرتها «الجزيرة». فالإخوة المتحدثون من سوريا، يلمحون الى أن هذه القناة، هي صاحبة الاختراع الحصري لكارثة شاملة في سوريا، لا وجود لها في الواقع. فلو لم تكن هناك قناة جزيرة، لما كانت هناك مشكلة. أما الجموع الثائرة في الميادين، في تحشداتها الليلية والنهارية، فإنما هي من صنع مندوبين سريين للقناة، يستأجرون الشباب ويدفعون لهم ستمئة ليرة عن كل لقطة. اي إن شعب سورية شغال بالقطعة المصورة، مع قناة «الجزيرة» من قطر!
أخونا يكرر رواية النظام السوري، الذي نتمنى أن يتعلم ذكاء النطق وحُسن المخاطبة. فالناطقون بلسان هذا النظام، يتحدثون حتى الآن بمنطق من يبلغ الآخرين بما فاح به عبقره الاستثنائي، وبدأوا مؤخراً بالتواضع، فاعترفوا بوجود ظلال مشكلة لم تجعلها هكذا إلا «فضائيات الفتنة والتضليل». وتفاءل البعض بأن النظام السوري بدأ يتعلم المخاطبة الطبيعية لسواه، وأنه تخلى عن منطق التعمية والتجهيل، وإحالة أسباب الثورة عليه، الى آخرين، من فضائيات وإمبرياليات متربصة بسوريا. لكن الذي حدث، هو المزيد من إنكار واقع الثورة، والاستمرار في تخوين رؤوسها ومؤيديها كلما طالبوا بالحماية الدولية، والمزيد والوحشي من الاندفاع الى القتل.
يقول صديقي اليساري: لنصبر قليلاً حتى تُنهي جامعة الدول العربية مهمتها. وافقته على ذلك وعلى قاعدة واحدة لن أتزحزح عنها، وهي أن الشعب السوري هو شعبنا، لأننا جزء منه، وأن هذا الشعب، كرامته ودمه وحريته وشرفه، أعز وأهم لدينا من أي نظام حتى ولو كان هو النظام الذي فتح القسطنطينية وليس الذي ضيّع الجولان وجمّد جبهتها. وليتفضل النظام السوري بتقديم حل سياسي ديمقراطي لشعبنا العربي السوري، ولن نكون إلا مؤيدين للوفاق بين جميع مكونات الشعب السوري والقوى الوازنة في المجتمع، إن صدقت الأفعال!
لا يطلبن أحد الحكمة والحل من المظلومين. من بيده آلة القتل الفتاكة، هو الذي ينبغي أن يكف عن القتل وأن يبادر الى السياسة. لم يعد في مقدور الأسديين أن يحلموا بجمهورية وراثية تنعقد لهم كابراً عن كابر. ثم إن صيغة جامعة الدول العربية، تتحدث عن مؤتمر في القاهرة يجمع كافة الأطياف، ومن بينها السلطة التي تقتل، ثم تتشكل حكومة مؤقتة، تذهب بالبلاد الى مهام المرحلة الانتقالية، من وضع دستور عصري ونظام انتخابي تعددي ديمقراطي.
هذه هي الحكمة التي ينبغي أن تُدعى اليها السلطة السورية، تلافياً للتدخل الأجنبي. فبدلاً من الإسهاب في شرح المقاصد الخبيثة للأميركيين وللمتآمرين، والسرحان بنا، بلغة تجزئة المجزأ وقسمة المقسم وغير ذلك من مفردات التحشيش الحزبي؛ يتعين على بشار الأسد أن يتحلى بالشجاعة وأن يبرهن على جديته في اختيار الطريق السلمي الديمقراطي لحل الأزمة. إن فعل ذلك بصدقية ظاهرة، سنؤيد كل الخطوات في هذا الاتجاه، وسنكون مع الأسديين ضد برهان غليون إن ظل غليون ومن معه يتحدثون عن حماية دولية. فليس من مصلحة أحد أن تنكشف سوريا، وأن يُدمر جيشها، وأن تتعرض للاستباحة. المسؤولون عن تعريضها لهذه المخاطر هم جماعة الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري والشبيحة ومن يدفعون لهم. فهل يفعلها بشار وقد أعلن أثناء كتابة هذه السطور عن خطاب له اليوم، فينطق بما هو مفيد، أم أنه سيعود للتنظير خارج الدائرة، فيزداد في نظر الجميع تورطاً مع الآثام؟!

