في فرن المناقيش الشهير في الأشرفية بدّل العمال ثيابهم، وصاروا أكثر حرصاً على ارتداء القفازات وعلى تغطية رؤوسهم حتى الأذنين بقبعات قماش تشبه تلك التي يرتديها الممرضون والأطباء. إنها بعض ارتدادات “أبو فاعور سندروم”. قال مدير الفرن إنهم أقلعوا عن شراء اللحوم من ذلك المتجر الذي ورد اسمه في لائحة الوزير، وقال أيضاً إن مندوبي الوزارة زاروا الفرن ولم يضموه إلى لائحة المتاجر المنتهكة الشروط الصحية.
إذاً حملة الوزير أتت بعض أُكلها، ولاحظ اللبنانيون ذلك من دون شك. لكننا اكتشفنا أيضاً أننا نعيش في بلد الـ”صفر رقابة”، ذاك أن ما أثارته خطوة الوزير من نبش للوقائع، مخيف فعلاً. وكل ما يُقال يبدو أنه صحيح.
نصحني شقيقي الطبيب ألاّ أشتري لحماً من بيروت، ذاك أن لا رقابة على المسلخ. استمعت إليه وقلت لزوجتي إنه يُبالغ قليلاً، وما هي إلا أيام قليلة حتى أُعلن عن إقفال المسلخ. وما مازحني به صديق يملك مزرعة دجاج عندما سألته عن سبب اقتنائه في منزله قنّاً للدجاج للاستعمال المنزلي، هو الذي يملك مزارع دجاج، فقال: “تريدني أن أُطعم أولادي ما أطعمكم إياه؟”، يبدو أنه لم يكن مزاحاً، فقد استعدته هذه المرة في ضوء ما يجري وسألت نفسي بعد انقضاء أكثر من سنة على تلك المزحة السمجة: فعلاً
لماذا يأكل دجاجاً من غير مزرعته؟
كل ما يقال صحيح. فليس في لبنان أي نوع من الرقابة على الإنتاج الغذائي. الأمر مخيف فعلاً، وهو مخيف أكثر مما هي مخيفة الحروب الصغيرة المتنقلة بين المناطق اللبنانية. فالفساد أيضاً يستهدف الأرواح، وثمة طوائف متواطئة مع فاسديها، على رغم أن أرواح أبناء هذه الطوائف هي المستهدفة.
فصورة الوزير السابق والشاب الطموح فيصل كرامي في متجر عبدالرحمن الحلاب يأكل الكنافة بقشطة رداً على تصنيف قشطة الحلاب بأنها غير مطابقة للشروط الصحية، تشي بالكثير. فالوزير كرامي لم ينتظر نتائج التحقيق، وبادر لـ”حماية” ابن مدينته وطائفته على الرغم من أن القشطة غير المطابقة للشروط الصحية ستصيب بضررها أبناء طرابلس قبل غيرهم.
نعم، الطائفية العمياء حامية أولى للفساد، وها نحن نكتشف أنها ليست وباءً سياسياً، إنما هي وباء بالمعنى الطبي للكلمة. فقبل نحو سنة تحرك عدد من أصحاب المطاعم في الوسط التجاري وفي الأشرفية ضد قرار وزارة الصحة منع التدخين في الصالات المقفلة للمطاعم، وكانت حجتهم في حينه أن المطاعم في الضاحية الجنوبية وفي مناطق نفوذ “حزب الله” لا تلتزم بالقرار، وهو ما أعطى أفضلية تنافسية لتلك المطاعم. في حينه بدا هؤلاء وكأنهم يحسدون سكان الضاحية على ما يؤذي صحتهم. ومرة أخرى يتأكد كم أن الطائفية عمياء.
ربما ساعدت أبو فاعور حقيقة أنه ممثل لطائفة لا تتسع للكثير من المصالح التجارية والسياحية، وعلى هذا يبدو أنه أكثر تخففاً وقدرة على المضي في معركة لمس اللبنانيون نتائجها على نحو سريع. فالرجل غير مكبل بضغوط تجار الطائفة وبمصالحهم. على الأقل هذا ما ظهر حتى الآن. وعلينا نحن، وبما أننا لا نملك أن نقاوم الطائفية وفسادها، سوى أن نعلّق آمالاً على هؤلاء الضعفاء، ممن يملكون زمام المبادرة بحكم مواقعهم في طوائفهم غير الكبرى.
لا بأس ما دام هذا مفيداً.

