عملية شبعا: قفزة في المجهول

التوتر في منطقة مزارع شبعا يقرع اجراس الانذار، لكنه لا يدق طبول حرب لا حاجة اليها ولا مبرر لها على الاطلاق، لانها تقع خارج أي سياق سياسي جدي، سوى السياق الايراني الذي كان سببا جوهريا لاشتعال حرب العام 2006 ، وما زال يعتبر جمراً تحت الرماد اللبناني.

يمكن ان تنشب حرب نتيجة خطأ في الحساب او التقدير، لكنها لا يمكن ان تخاض بناء على هلوسات عن تلك المزارع التي اعاد حزب الله بالامس اكتشاف هويتها اللبنانية بعد صمت طويل، واطلق للمرة الاولى  منذ سنوات شعار تحريرها من الاحتلال الاسرائيلي، او بتعبير آخر الحق في تحريرها من الغاصب..الذي اكتشف الحزب انه يتحالف مع جبهة النصرة الاسلامية المناهضة للنظام في سوريا!

تجديد الصراع فجأة في تلك البقعة من الارض المحتلة، يبدو بالمقارنة مع الازمات الكبرى التي تعصف بالمشرق العربي نوعا من المزاح السمج الذي يمكن ان يفاقم العذاب ويعمم الخراب من دون ان يخدم اي غرض، اذا كان ثمة غرض اصلا. في الاصل لا يوحي العدو الاسرائيلي نفسه انه مهتم بالتورط في التحولات التاريخية التي تشهدها الدول المشرقية وشعوبها كافة. البقاء في مقاعد المتفرجين والمشجعين فرصة لا تعوض، لكنها يمكن ان تخرق اذا ما حانت للاسرائيليين لحظة شبيهة بتلك التي دفعتهم الى تدمير قطاع غزة الفلسطيني على نحو ما فعلوا في الحرب الاخيرة، وتلقوا تأييداً مصرياً وعربياً وتشجيعاً دولياً لم يسبق له مثيل!

لا تشكل عملية حزب الله في المزارع ذريعة لشن حرب. قالت اسرائيل اكثر من مرة انها لا تبحث عن ذريعة ولا تريد الحرب. العمليات الامنية الخاصة على الجبهة تشكل من وجهة نظرها ردعاً كافياً. فهي لا تشعر بالحاجة الان الى تدمير لبنان واعادته سبعين سنة الى الوراء، حسبما قال كبار المسؤولين الاسرائيليين الاسبوع الماضي بالتحديد. كما لا تشعر بالرغبة في التدخل في الازمة السورية، الا من زاوية الحرص القديم على منع انهيار النظام. كما لا تحس بالقدرة على الخروج الى حرب مع ايران قبل ان تنتهي فرصة المفاوضات النووية الشهر المقبل.

هذا المنطق يمكن ان يتغير في اي لحظة، لان الحكم في اسرائيل معقود الان للاشد تطرفا، والاكثر هذيانا بالاسلام الجهادي الذي يترقبه الاسرائيليون على امتداد حدودهم كافة، ويتقاسمون مع  الكثيرين من جيرانهم العرب حالة الرعب من داعش والنصرة وغيرهما، ويتوزعون مع حلفائهم العرب مهمات قتال الحركات الاسلامية على اختلاف ألوانها. وليس من الصعب التكهن في ان اسرائيل هي العضو الخفي الاكثر اهمية وربما الاكثر حيوية في التحالف الدولي الذي شكله الاميركيون لدحر الدواعش في العراق وسوريا.

لن يتمكن حزب الله بسهولة هذه المرة من اشعال الحرب مع اسرائيل، بل فقط في توسيع نطاق العمليات الخاصة المتبادلة، التي يمكن ان تضيع في خضم صراع اقليمي وعالمي اكبر وابعد مدى.. ولا يمكن لاي مواجهة جديدة مع العدو الاسرائيلي ان تحرفه عن مساره، او ان تخفف من اعبائه السياسية والاخلاقية على أي من اطرافه، ولا ان تخفض طبعا من اكلافه البشرية المتزايدة التي يدفعها الحزب في معركته السورية المشينة.

القتال على الجبهتين الجنوبية والشمالية لا يعني انهما يمكن ان تصبحا جبهة واحدة، ولا ينفع في الترويج لوجود معركة واحدة :بين اسرائيل وداعش والنصرة من جهة والنظام السوري وحزب الله وايران من جهة اخرى. هذا النوع من الهذيان السائد خاصة في اوساط الحزب ومحيطه، لم يعد شائعا كما من قبل لا في دمشق ولا في طهران..ولن يظل راسخا في البيئة الشيعية اللبنانية.

عملية شبعا قفزة صغيرة في المجهول، لن تغير منحى تاريخيا يتشكل الان، ويختبر تحالفاً عميقاً بين الاقليات المشرقية، التي يحسب اليهود من ضمنها، بل ربما أهمها على الاطلاق.

السابق
بين الحرب والأسطورة
التالي
شهيب وقع اتفاقية تعاون مع الفاو لإدارة ذبابة الفاكهة