هل يتكرّر الكساد العظيم؟

هل من الممكن أن تسوء الأمور من جديد؟ أعني مزيداً من السوء، كسوء الكساد العظيم، أو الحرب العالمية؟ لقد تعلم جيلي التفكير بأي حدث كارثي من خلال كتب التاريخ.
ثمة توجس من انبعاث الشرّ في أوروبا في هذه الأثناء. فخلال حديث له في برلين ليل الاثنين، حذر وزير الخارجية البولندي رادوسلو سيكورسكي من «أننا نقف على شفا جرف». وأبدى الرئيس الفرنسي ساركوزي خشيته مؤخراً: إذا ما انفجر اليورو، فأوروبا برمتها ستنفجر. فاليورو ضمانة السلام في قارة عانت في الماضي من حروب مروعة. ذاك أن السلام والازدهار أصبحا بمثابة قاعدة سلوك لجيلي في الغرب. وكان من السهل أن ننسى أن ذلك هو ما جعلنا نتميز عن بقية العالم.
لقد انتشر في خلال السنوات الثلاثين الأخيرة، الأمل بالسلام والازدهار ودرجة معقولة من الراحة على نحو تخطى الحدود المميزة للغرب. وأخلت صين الثورة الثقافية محلها لصين مراكز التسوق والمصانع. وهند الأم تيريزا حل محلها جزئياً هند الثورة التكنولوجية. وجعلت العولمة العالم يظهر كما لو أنه أكثر أمناً وانسجاماً، بالتلازم مع تبنّي الطبقات الوسطى لآسيا وأوروبا الشرقية وسائل الراحة فضلاً عن قيم الرأسمالية.

السلام العالمي، الذي بدا إبان الحرب الباردة انه يعتمد على الأسلحة النووية، يرتكز اليوم على التجارة الدولية واحتضان مشترك للنزعة الاستهلاكية. وحتى ما قبل حصول الأزمة الاقتصادية العالمية، بدا أن كلمات الحملة الانتخابية لطوني بلير لا تزال تطغى على روح العصر: الأمور تتجه حتماً نحو الأفضل.
ومنذ انهيار بنك «ليمان براذرذ» في 2008، اكتشفنا أن الأمور قد تتجه، بلا ريب، نحو الأسوأ. والسؤال ههنا عن مدى هذا السوء؟

الدرس الذي يمكن استخلاصه من عام 1930 أن الكساد العالمي يضعف الديموقراطيات، ويؤدي إلى صعود القوى السياسية الراديكالية الجديدة، وفي سياق ذلك يعزز مخاطر نشوب الصراعات الدولية.
بيد أن هذه السيناريوهات غير قابلة للتصديق. وحتى الآن، أعجز عن إقناع نفسي بأننا نتجه نحو الثلاثينيات من القرن المنصرم. ثمة ثلاثة أسباب تدفعني للاعتقاد أننا سننجو:
الأول، المعرفة الجيدة بأسباب ذلك الاختلال الذي حصل قبل 80 عاماً، والذي من شأنه أن يساعد السياسيين على تفادي ارتكاب الأخطاء عينها.

ثانياً، ثمة جدل معقول يرد السلام الذي ساد خلال السنوات الـ66 الأخيرة بين القوى المركزية والأمم الناشئة، منذ 1945 بالتحديد، الى التقدم الحضاري، بدلاً من رده الى حلقة حظ في التاريخ العالمي.
أخيراً، العالم المتقدم ينطلق من درجة أعلى من البحبوحة مقارنة بما كان سائداً في الثلاثينيات. في الانهيارات الاقتصادية ما زال الناس معرضين لخسارة مدخراتهم ووظائفهم ومنازلهم، لكن من غير المحتمل أن تنقلب أحوالهم الى عوز مطلق.
لذا، وعلى الرغم من ان مخاطر حصول أزمة اقتصادية حادة لا تزال حقيقية، لا أظن أننا أمام خطر الانزلاق مجدداً نحو الحرب. لكن ذلك قد يكون نتيجة فشل عمل مخيلة شخص كان محظوظاً لدرجة أنه عاش في زمن سلام وازدهار لا نظير لهما في التاريخ.
  

السابق
السيد نصرالله
التالي
احمد كرامي: تمويل المحكمة اوجد جوا مريحا بين البنانيين