ما قصة "المخرج العجائبي" الذي مرر قرار التمويل من خرم الهيئة العليا للاغاثة؟ وماذا بعد القرار وانعكاساته على ميزان المكاسب والخسائر داخل الحكومة؟
بدا واضحاً ان اعلان رئيس مجلس الوزراء نجيب ميقاتي بعد ظهر أمس تحويله حصة الدولة من تمويل المحكمة الخاصة بلبنان، شكل انقاذاً مزدوجاً لصدقية "الدولة اللبنانية" في التزامها بتعهداتها الدولية وخصوصاً حيال تمويل المحكمة من جهة وللحكومة التي كانت تواجه خطر الانهيار من جهة اخرى.
وفي خلاصة مباشرة للمكاسب والخسائر المترتبة على هذا القرار، والتي يبقى الحكم النهائي عليها رهناً بما قد تتكشف عنه التطورات المقبلة من أثمان ووعود وربما مقايضات كثر الحديث عنها، وفرت ردود الفعل الدولية المرحبة والفورية على القرار، وخصوصا من المحكمة الدولية والولايات المتحدة وفرنسا والاتحاد الاوروبي وبريطانيا، مكسباً واضحاً لميقاتي الذي حفظ بهذه الخطوة صدقية تعهداته العلنية المتكررة لتمويل المحكمة، كما حفظت له صدقية داخلية بعدما تعهد الاستقالة في حال عدم مرور التمويل. لكن ذلك لم يحجب الغبار الذي اثاره المخرج الملتبس الذي تجنب معه طابخوه ومن ابرزهم رئيس مجلس النواب نبيه بري مرور التمويل بمجلس الوزراء، وهو ما اثار شكوكاً في قانونيته لجهة حصول تحويل المبلغ المترتب على لبنان من طريق الهيئة العليا للاغاثة وليس عبر القنوات الطبيعية والدستورية التي تملي التحويل من موازنة وزارة العدل.
والى جانب ميقاتي، يمكن توزيع ميزان الارباح على القوى المؤيدة للتمويل وفي مقدمها رئيس الجمهورية ميشال سليمان و"جبهة النضال الوطني".
اما من خارج الحكومة، فإن المعارضة حصدت مكسباً مبدئياً ثابتا تمثل في عدم امكان الحكومة ورئيسها تجاوز واقع التزام لبنان التعاون مع المحكمة وتمويلها. الامر الذي عدته المعارضة انتصاراً للمحكمة ولمطالب قوى 14 آذار الثابتة في هذا المجال.
اما في ميزان الخسائر، فبدا "حزب الله" والعماد ميشال عون يتصدران اللائحة، وخصوصا من حيث مخالفة هذا القرار كل التعهدات الثابتة التي قطعها الجانبان برفض التمويل بأي طريقة. واذا كانت ثمة خصوصية لموقف الحزب قد تُعتبر عاملاً تحقيقياً لتراجعه من خلال قول مصادر في 8 آذار ان الحفاظ على الحكومة من دون مرور التمويل في مجلس الوزراء وفّر للحزب مكسباً ضمنسا، فان ذلك لا يحجب ما بات يسجل على الحزب من انه سلم ضمناً بآلية تعترف بالمحكمة التي يرفضها اصلا. اما العماد عون و"تكتل التغيير والاصلاح" فتبدو خسائره المباشرة اكبر من خسائر الحزب نفسه، لانه، استناداً الى المصادر المعنية، تجاوز برفضه العلني للتمويل موقف حليفه نفسه بل عمد الى تعطيل جلسة مجلس الوزراء الاسبوع الماضي طارحاً مجموعة مطالب لم يتبين بعد ما اذا كانت تلبيتها كلياً او جزئيا ستعوض له هذه الخسائر.
في أي حال، ترصد الاوساط السياسية ما سيعلنه الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله اليوم لتبين المعطيات التي تحيط بموقف الحزب من هذا التطور، مع العلم ان محطة "المنار" بثت أمس ان نصرالله سيحدد موقف الحزب من مسألة قرار التمويل وغيرها من التطورات في الكلمة التي سيلقيها في المجلس العاشورائي المركزي والتي سيخصصها كاملة للشأن السياسي.
قبل القرار
وفي المعلومات والوقائع المتوافرة لديناعن الساعات التي سبقت اعلان ميقاتي تحويل حصة لبنان من التمويل الى الامم المتحدة، ان الرئيس بري اتصل مساء الثلثاء بالرئيس ميقاتي وابلغه موافقة "حزب الله" على السير بمخرج لتمويل المحكمة من خارج مجلس الوزراء. لكن ميقاتي أصر على ان يتبلغ هذه الموافقة من "حزب الله" مباشرة، فزاره منتصف ليل الثلثاء – الاربعاء معاون الامين العام للحزب حسين خليل ونقل اليه شخصياً هذه الموافقة، في ما عد ترجمة لاختيار "حزب الله" سياسة الحد من الخسائر وتجنب انهيار الحكومة.
وفي موازاة ذلك اقتضى المخرج تأجيل جلسة مجلس الوزراء أمس نزولا عند رغبة "تكتل التغيير والاصلاح"، في حين حرص ميقاتي على تحويل حصة لبنان امس تحديداً، ترجمةً لتعهد قطعه امام الامين العام للامم المتحدة بان كي – مون للتمويل في مهلة اقصاها 30 تشرين الثاني.
ومع ان الصحافيين دعوا الى المؤتمر الصحافي الذي وجه خلاله ميقاتي كلمة اعلن فيها تحويل المبلغ في الثانية عشرة ظهراً، الا ان المؤتمر تأخر ساعة ونصف ساعة، وعلم ان التأخير كان للتأكد من تسلم الامم المتحدة الاشعار بالتحويل. وقضى المخرج بتوجيه رئيس مجلس الوزراء كتاباً الى حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بطلب فتح حساب عبر الهيئة العليا للاغاثة لتحويل حصة لبنان من مساهمة الدولة في تمويل المحكمة الدولية والبالغة 32 مليوناً و134 الف دولار اميركي. ووصف ميقاتي هذه الخطوة بانها "قرار وطني يحفظ لبنان ولا يعرضه لاختبارات قاسية ويحمي وحدة لبنان"، مشدداً على أن قراره "لا ينتقص من عمل المؤسسات الدستورية وليس انتصارا لفريق على آخر"، داعيا الى العودة الى طاولة الحوار و"اعتبار هذا اليوم انطلاقة جديدة للعمل الحكومي".
ونقل زوار ميقاتي عنه انه اتخذ خطوته بعد التشارو مع رئيس الجمهورية "لكن الخطوة جاءت بقرار خاص مني"، موضحا ان "التنسيق مع حلفائه تناول ايجاد المخرج القانوني والدستوري الذي يصون موقف لبنان والتزاماته الدولية ويأخذ في الاعتبار ملاحظات الفريق المعترض في الحكومة"، مما يوحي عمليا بموافقة "حزب الله" على المخرج.
وأوضحت مصادر مواكبة للاتصالات التي أدت الى هذا المخرج، أن الجلسة المقبلة لمجلس الوزراء ستعقد الاربعاء عشية سفر الرئيس سليمان الى أرمينيا، ولم تستبعد أن تشهد الجلسة "اندفاعا حكوميا متجددا" من حيث ادراج ملفات يطالب بها "تكتل التغيير والاصلاح".
مواقف
غير أن الوزير جبران باسيل قال ليلا لـ"النهار" في أول تعليق لعضو في "التكتل"، إنه "اذا صح ما حصل شكلا فهذا يعني أنه يضيف مخالفة الى سجل من وقّع عليها. أما مضمونا فهو لا يغير واقع كون لبنان مخطوفا ومقرصنا ويدفع ثمن خطفه. واذا كان السعي الى الاستقرار وحماية لبنان، فالاستقرار يتأمن من خلال التنمية والمشاريع الانتاجية والاستقرار الاجتماعي، وحماية لبنان تكون من الفاسدين وممن يسرقونه وهذا الامر لا يتأمن الا بتوفير مطالبنا بتفعيل عمل الحكومة. وحل مشكلة التمويل اذا كانت قد حلت، لا يعني ان مشكلة الحكومة قد حلت وأن شروط عودتنا قد توافرت". وأكد باسيل "أن المشكلة الحكومية لا تزال عالقة".
وفي المقابل، وصف "تيار المستقبل" تحويل حصة لبنان في تمويل المحكمة بأنه "خطوة في الاتجاه الصحيح ونتيجة حتمية لنضال اللبنانيين في سبيل المحكمة وتحقيق العدالة". ورأى أن هذا الإجراء "هو إقرار من جميع أعضاء الحكومة وفي طليعتهم "حزب الله" بأهمية المحكمة التي نريدها سبيلا لتوفير مقومات الاستقرار". وأضاف ان "حزب الله" مسؤول عن متابعة المسار الذي بدأه لتغطية تمويل المحكمة عبر المساعدة في تسليم المتهمين الاربعة الى السلطات اللبنانية (…) وحزب الله اعترف اليوم بشرعية المحكمة عبر تمويلها من غير أن يلجأ الى الاستقالة من الحكومة".
وانتقدت الامانة العامة لقوى 14 آذار "صيغة تهريب التمويل"، رافضة "الشكل الذي يجعل قضية وطنية بحجم العدالة للبنان وشهدائه موازية لحادث من فعل الطبيعة يعالج من خارج مجلس الوزراء". وبارك الامين العام لـ"تيار المستقبل" أحمد الحريري "للعدالة واللبنانيين بتمويل المحكمة"، معتبرا أنه "ما كان ليحصل لولا مطالبة اللبنانيين بذلك". وخلص الى ان ما حصل "هو اعتراف رسمي من كل الاحزاب المكونة للحكومة وعلى رأسها حزب الله بشرعية المحكمة ومن لا يزال معترضا فليتفضل وليستقل".
وفي اطار الردود الدولية، رحبت الولايات المتحدة بقرار لبنان دفع حصته من تمويل المحكمة. وصرح الناطق باسم وزارة الخارجية الاميركية مارك تونر، بأن عمل المحكمة "فرصة للبنان لتجاوز تاريخه الطويل في الافلات من العقاب بسبب العنف السياسي".
كما حيّت الخارجية الفرنسية القرار وهنأت الرئيس ميقاتي عليه مؤكدة أن "القرار يسمح للبنان بالتقيد بالتزاماته الدولية".

